عمر الفاروق رضي الله عنه
نبذة عنه رضي الله عنه
هو عمر بن الخطاب: بن نفيل بن عبد العزى بن رياح بن قرط بن رزاح بن عدي بن كعب بن لؤي، أمير المؤمنين، أبو حفص، القرشي، العدوي، الفاروق.
أسلم في السنة السادسة من النبوة، وله سبع وعشرون سنة، قاله الذهبي.
وقال النووي: ولد عمر بعد الفيل بثلاث عشرة سنة، وكان من أشراف قريش، وإليه كانت السفارة في الجاهلية، فكانت قريش إذا وقعت الحرب بينهم أو بينهم وبين غيرهم بعثوه سفيرًا، أي: رسولًا، وإذا نافرهم منافر أو فاخرهم مفاخر، بعثوه منافرًا أو مفاخرًا.
وأسلم قديمًا بعد أربعين رجلًا وإحدى عشرة امرأة، وقيل: بعد تسعة وثلاثين رجلًا وثلاث وعشرين امرأة وقيل: بعد خمسة وأربعين رجلًا وإحدى عشرة امرأة فما هو إلا أن أسلم فظهر الإسلام بمكة وفرح به المسلمون.
قال: وهو أحد السابقين الأولين، وأحد العشرة المشهود لهم بالجنة، وأحد الخلفاء الراشدين، وأحد أصهار النبي -صلى الله عليه وسلم- وأحد كبار علماء الصحابة وزهادهم.
روي له عن النبي خمسمائة حديث وتسعة وثلاثون حديثًا.
فصل: في الأخبار الواردة في إسلامه
أخرج الترمذي عن ابن عمر: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "اللهم أعز الإسلام بأحب هذين الرجلين إليك: بعمر بن الخطاب، أو بأبي جهل ابن هشام" 1. أخرجه الطبراني من حديث ابن مسعود وأنس رضي الله عنهما.
وأخرج الحاكم عن ابن عباس: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "اللهم أعز الإسلام بعمر بن الخطاب خاصة" 2. وأخرجه الطبراني في الأوسط من حديث أبي بكر الصديق وفي الكبير من حديث ثوبان.
وأخرج أحمد عن عمر قال: خرجت أتعرض رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فوجدته قد سبقني إلى المسجد، فقمت خلفه، فاستفتح سورة الحاقة، فجعلت أتعجب من تأليف القرآن، فقلت: والله هذا شاعر كما قالت قريش، فقرأ: {إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ، وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلاً مَا تُؤْمِنُونَ} [الحاقة: 40، 41] الآيات، فوقع في قلبي الإسلام كل موقع3.
وأخرج ابن أبي شيبة عن جابر قال: كان أول إسلام عمر أن عمر قال: ضرب أختي المخاض ليلاً، فخرجت من البيت، فدخلت في أستار الكعبة، فجاء النبي -صلى الله عليه وسلم- فدخل الحجر وعليه بتان، وصلى لله ما شاء الله، ثم انصرف، فسمعت شيئًا لم أسمع مثله، فخرج، فاتبعته، فقال: "من هذا؟ " فقلت: عمر، فقال: "يا عمر! ما تدعني لا ليلاً ولا نهارًا؟ " فخشيت أن يدعو علي، فقلت: أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله، فقال: "يا عمر! أسره"، قلت: لا والذي بعثك بالحق لأعلننه كما أعلنت الشرك.
أخرج البزار والطبراني وأبو نعيم في الحلية والبيهقي في الدلائل عن أسلم قال: قال لنا عمر: كنت أشد الناس على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فبينا أنا في يوم حار بالهاجرة3 في بعض طريق مكة إذ لقيني رجل فقال: عجبًا لك يابن الخطاب! إنك تزعم إنك وإنك، وقد دخل عليك الأمر في بيتك، قلت: وما ذاك؟ قال: أختك قد أسلمت، فرجعت مغضبًا حتى قرعت الباب، قيل: من هذا؟ قلت: عمر، فتبادروا فاختفوا مني، وقد كانوا يقرءون صحيفة بين أيديهم، تركوها ونسوها، فقامت أختي تفتح الباب، فقلت: يا عدوة نفسها أصبأت؟ وضربتها بشيء كان في يدي على رأسها، فسال الدم وبكت، فقالت: يابن الخطاب! ما كنت فاعلًا فافعل، فقد صبأت، قال: ودخلت حتى جلست على السرير، فنظرت إلى الصحيفة، فقلت: ما هذا؟ ناولينيها، قالت: لست من أهلها إنك لا تطهر من الجنابة، وهذا كتاب لا يمسه إلا المطهرون، فما زلت بها حتى ناولتنيها، ففتحتها فإذا فيها: بسم الله الرحمن الرحيم، فلما مررت باسم من أسماء الله تعالى ذعرت منه، فألقيت الصحيفة، ثم رجعت إلى نفسي فتناولتها فإذا فيها: {سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ} [الصف: 1] فذعرت، فقرأت إلى: {بِاللَّهِ وَرَسُولِه} [الصف: 11] فقلت: أشهد أن لا إله إلا الله، فخرجوا إلي مبادرين وكبروا وقالوا: أبشر فقد دعا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يوم الاثنين فقال: "اللهم أعز دينك بأحب الرجلين إليك: إما أبو جهل ابن هشام وإما عمر". ودلوني على النبي -صلى الله عليه وسلم- في بيت في أسفل الصفا فخرجت حتى قرعت الباب فقالوا: من؟ قلت: ابن الخطاب، وقد علموا شدتي على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فما اجترأ أحد على فتح الباب حتى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "افتحوا له". ففتحوا لي فأخذ رجلان بعضدي حتى أتيا النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: "خلوا عنه"، ثم أخذ بمجامع قميصي وجذبني إليه ثم قال: "أسلم يابن الخطاب، اللهم اهده". فشهدت، فكبر المسلمون تكبيرة سمعت بفجاج مكة، وكانوا مستخفين فلم أشأ أن أرى رجلاً يَضرب ويُضرب إلا رأيته ولا يصيبني من ذلك شيء. فجئت إلى خالي أبي جهل وكان شريفًا فقرعت عليه الباب فقال: من هذا؟ فقلت: ابن الخطاب وقد صبأت، فقال: لا تفعل، ثم دخل وأجاف الباب دوني؛ فقلت: ما هذا بشيء.
فذهبت إلى رجل من عظماء قريش فناديته، فخرج إلي، فقلت له مثل مقالتي لخالي، فقال لي مثل ما قال لي خالي فدخل وأجاف الباب دوني، فقلت: ما هذا بشيء إن المسلمون يضربون ولا أضرب، فقال لي رجل:
أتحب أن يعلم بإسلامك؟ قلت: نعم، قال: فإذا جلس الناس في الحجر فأت فلانًا -لرجل لم يكن يكتم السر- فقل بينك وبينه إني قد صبأت فإنه قل ما يكتم السر فجئت وقد اجتمع الناس في الحجر فقلت فيما بيني وبينه قال: أو قد فعلت،
فقال: بأعلى صوته إن ابن لخطاب قد صبأ فبادروا إليّ فمازلت أضربهم ويضربونني واجتمع علي الناس فقال خالي: ما هذه الجماعة؟ قيل: عمر قد صبأ، فقام على الحجر فأشار بكمه ألا إني قد أجرت ابن أختي فتكشفوا عني، فكنت لا أشاء أن أرى أحدًا من المسلمين يضرب ويضرب إلا رأيته، فقلت ما هذا بشيء قد يصيبني فقلت: جوارك رد عليك، فمازلت أضرب وأضرب حتى أعز الله الإسلام1.
(المصدر تاريخ الخلفاء للسيوطي)
نبيل العوضي - قصة عمر بن الخطاب رضي الله عنه
فصل: في هجرته رضي الله عنه
أخرج ابن عساكر عن علي قال: ما علمت أحدًا هاجرمختفيًا إلا عمر بن الخطاب، فإنه لما هم بالهجرة تقلد سيفه وتنكب قوسه وانتضى في يده أسهمًا، وأتى الكعبة وأشراف قريش بفنائها، فطاف سبعًا، ثم صلى ركعتين عند المقام، ثم أتى حلقهم واحدة واحدة، فقال: شاهت الوجوه، من أراد أن تثكله أمه وييتم ولده، وترمل زوجته فليلقني وراء هذا الوادي، فما تبعه منهم أحد.
وأخرج عن البراء -رضي الله عنه- قال: أول من قدم علينا من المهاجرين مصعب بن عمير، ثم ابن أم مكتوم، ثم عمر بن الخطاب في عشرين راكبًا، فقلنا: ما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: هو على أثري، ثم قدم النبي -صلى الله عليه وسلم- وأبو بكر -رضي الله عنه- معه.
قال النووي: شهد عمر مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- المشاهد كلها، وكان ممن ثبت معه يوم أحد.
فصل: في الأحاديث الواردة في فضله :
1 - أخرج الشيخان عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "بينا أنا نائم رأيتني في الجنة، فإذا امرأة تتوضأ إلى جانب قصر، قلت: لمن هذا القصر؟ قالوا: لعمر، فذكرت غيرتك، فوليت مدبرًا". فبكى عمر وقال: أعليك أغار يا رسول الله؟
أخرجه البخاري "3680/7"، ومسلم "2395/4
2 - وأخرج الشيخان عن ابن عمر أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "بينا أنا نائم شربت -يعني اللبن- حتى أنظر الري يجري في أظافري ثم ناولته عمر" قالوا: فما أولته يا رسول الله؟ قال: "العلم"
أخرجه البخاري "3681/7"، ومسلم "2391/4
3 - وأخرج الشيخان عن سعد بن أبي وقاص قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "يابن الخطاب، والذي نفسي بيده ما لقيك الشيطان سالكًا فجًّا قط إلا سلك فجًّا غير فجك"
أخرجه البخاري "3683/7"، ومسلم "2390/4
4 - وأخرج البخاري عن أبي هريرة قال: قال النبي صلى الله عليه سلم: "لقد كان فيما قبلكم من الأمم ناس محدثون، فإن يكن في أمتي أحد فإنه عمر" أخرجه البخاري "3689/7
5 - وأخرج الترمذي عن ابن عمر أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "إن الله جعل الحق على لسان عمر وقلبه". قال ابن عمر: وما نزل بالناس أمر قط فقالوا وقال إلا نزل القرآن على نحو ما قال عمر.
أخرجه الترمذي "3682/5". وقال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب، من هذا الوجه.
6 - وأخرج ابن منيع في مسنده عن علي -رضي الله عنه- قال: كنا أصحاب محمد لا نشك أن السكينة تنطق على لسان عمر.
فصل: في أقوال الصحابة والسلف فيه
• قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه: ما على ظهر الأرض رجل أحب إلي من عمر، أخرجه ابن عساكر.
• وقيل لأبي بكر في مرضه: ماذا تقول لربك وقد وليت عمر؟ أقول له وليت عليهم خيرهم، أخرجه ابن سعد.
• وقال علي رضي الله عنه: إذا ذكر الصالحون فحيهلا بعمر، ما كنا نبعد أن السكينة تنطق على لسان عمر. أخرجه الطبراني في الأوسط.
• وقال ابن عمر رضي الله عنه: ما رأيت أحدًا قط بعد النبي -صلى الله عليه وسلم- من حين قبض أحد ولا أجود من عمر، أخرجه ابن سعد.
• وقال ابن مسعود رضي الله عنه: لو أن علم عمر وضع في كفة ميزان ووضع علم أحياء الأرض في كفة ميزان لرجح علم عمر بعلمهم، ولقد كانوا يرون أنه ذهب بتسعة أعشار العلم. أخرجه الطبراني في الكبير والحاكم.
• وقال حذيفة رضي الله عنه: كأن علم الناس كان مدسوسًا في حجر عمر.
• وقال حذيفة: والله ما أعرف رجلًا لا تأخذه في الله لومة لائم إلا عمر.
• وقالت عائشة رضي الله عنها -وذكرت عمر-: كان والله أحوذيًّا نسيجًا وحده.
• وقال معاوية رضي الله عنه: أما أبو بكر فلم يرد الدنيا ولم ترده، وأما عمر فأرادته الدنيا ولم يردها، وأما نحن فتمرغنا فيها ظهرًا لبطن، أخرجه الزبير بن بكار في الموفقيات.
• وقال جابر رضي الله عنه: دخل علي على عمر -وهو مسجى- قال: رحمة الله عليك ما من أحد أحب إلي أن ألقى الله بما في صحيفته بعد صحبة النبي -صلى الله عليه وسلم- من هذا المسجى. أخرجه الحاكم.
• وقال ابن مسعود رضي الله عنه: إذا ذكر الصالحون فحيهلا بعمر، إن عمر كان أعلمنا بكتاب الله، وأفقهنا في دين الله تعالى. أخرجه الطبراني والحاكم.
• وسئل ابن عباس عن أبي بكر، فقال: كان كالخير كله، وسئل عن عمر، فقال: كان كالطير الحذر الذي يرى أن له بكل طريق شوكًا يأخذه، وسئل عن علي فقال: مليء عزمًا وحزمًا وعلمًا ونجدة. أخرجه في الطيوريات.
فصل: في كراماته رضي الله عنه
• أخرج البيهقي وأبو نعيم، كلاهما في دلائل النبوة، واللالكائي في شرح السنة، والديرعاقولي في فوائده، وابن الأعرابي في كرامات الأولياء، والخطيب في رواة مالك عن نافع عن ابن عمر، قال: وجه عمر جيشًا، ورأس عليهم رجلاً يدعى سارية، فبينما عمر يخطب جعل ينادي: يا سارية الجبل، ثلاثًا، ثم قدم رسول الجيش، فسأله عمر، فقال: يا أمير المؤمنين هزمنا، فبينا نحن كذلك إذ سمعنا صوتًا ينادي: يا سارية الجبل، ثلاثًا، فأسندنا ظهورنا إلى الجبل، فهزمهم الله، قال: قيل لعمر: إنك كنت تصيح بذلك، وذلك الجبل الذي كان سارية عنده بنهاوند من أرض العجم ، قال ابن حجر في الإصابة2: إسناده حسن
• وقال خزيمة بن ثابت: كان عمر إذا استعمل عاملاً كتب له، واشترط عليه ألا يركب برذونًا5، ولا يأكل نقيًا، ولا يلبس رقيقًا، ولا يغلق بابه دون ذوي الحاجات، فإن فعل فقد حلت عليه العقوبة.
فصل في زهده رضي الله عنه
• وقال ابن مليكة: كلم عتبة بن فرقد عمر في طعامه، فقال: ويحك آكل طيباتي في حياتي الدنيا وأستمتع بها؟.
• وقال الحسن: دخل عمر على ابنه عاصم وهو يأكل لحمًا، فقال: ما هذا؟ قال: قرمنا1 إليه، قال: أو كلما قرمت إلى شيء أكلته؟ كفى بالمرء سرفًا أن يأكل كل ما اشتهى.
• وقال أسلم: قال عمر: لقد خطر على قلبي شهوة السمك الطري، قال: فرحل يرفأ1 راحلته، وسار أربعًا مقبلاً، وأربعًا مدبرًا، واشترى مكتلاً، فجاء به، وعمد إلى الراحلة، فغسلها، فأتى عمر، فقال: انطلق حتى أنظر إلى الراحلة، فنظر وقال: أنسيت أن تغسل هذا العرق الذي تحت أذنيها، عذبت بهيمة في شهوة عمر؟! لا والله لا يذوق عمر مكتلك .
• وقال أنس: دخلت حائطًا فسمعت عمر يقول، وبيني وبينه جدار، عمر بن الخطاب أمير المؤمنين، بخ بخ والله لتتقين الله يابن الخطاب أو ليعذبنك الله .
• وقال عبد الله بن عامر بن ربيعة: رأيت عمر أخذ نبتة من الأرض فقال: ليتني كنت هذه النبتة، يا ليتني لم أكن شيئًا، ليت أمي لم تلدني .
• وقال عبد الله بن عمر بن حفص: حمل عمر بن الخطاب قربة على عنقه، فقيل له في ذلك، فقال: إن نفسي أعجبتني فأردت أن أذلها .
فصل: في صفته رضي الله عنه
أخرج ابن سعد والحاكم عن ذر قال: خرجت مع أهل المدينة في يوم عيد، فرأيت عمر يمشي حافيًا شيخًا أصلع آدم أعسر طوالًا مشرفًا على الناس كأنه على دابة، قال الواقدي لا يعرف عندنا أن عمر كان آدم، إلا أن يكون رآه عام الرمادة فإنه كان تغير لونه حين أكل الزيت.
وأخرج ابن سعد عن ابن عمر أنه وصف عمر فقال: رجل أبيض تعلوه حمرة طوال أصلع أشيب.
فصل: في خلافته رضي الله عنه
ولي الخلافة بعهد أبي بكر في جمادى الآخرة سنة ثلاث عشرة.
قال الزهري: استخلف عمر يوم توفي أبو بكر، وهو يوم الثلاثاء لثمانٍ بقين من جمادى الآخرة، أخرجه الحاكم، فقام بالأمر أتم قيام.
الفتوحات الاسلامية في عهده
كثرت الفتوح في أيامه ففي سنة أربع عشرة فتحت دمشق ما بين صلح وعنوة، وحمص، وبعلبك صلحًا، والبصرة والأبلة، كلاهما عنوة.
وفيها جمع عمر الناس على صلاة التراويح، قاله العسكري في الأوائل.
وفي سنة خمس عشرة فتحت الأردن كلها عنوة إلا طبرية فإنها فتحت صلحًا، وفيها كانت وقعت اليرموك والقادسية.
قال ابن جرير، وفيها مصر سعد الكوفة، وفيها فرض عمر الفروض، ودون الدواوين، وأعطى العطاء على السابقة.
وفي سنة ست عشرة فتحت الأهواز والمدائن، وأقام بها سعد الجمعة في إيوان كسرى، وهي أول جمعة جمعت بالعراق، وذلك في صفر، وفيها كانت وقعة جلولاء، وهزم يزدجرد بن كسرى وتقهقر إلى الري، وفيها فتحت تكريت، وفيها سار عمر ففتح بيت المقدس، وخطب بالجابية خطبته المشهورة، وفيها فتحت قنسرين عنوة، وحلب، وأنطاكية، ومنبج صلحًا، وسروج عنوة، وفيها فتحت قرقيسياء صلحًا، وفي ربيع الأول كتب التاريخ من الهجرة بمشورة علي.
وفي سنة سبع عشرة زاد عمر في المسجد النبوي، وفيها كان القحط بالحجاز، وسمي عام الرمادة واستقى عمر للناس بالعباس.
أخرج ابن سعد، عن نيار الأسلمي: أن عمر لما خرج يستسقي خرج وعليه برد الرسول صلى الله عليه وسلم1.
وأخرج عن ابن عون قال: أخذ عمر بيد العباس ثم رفعها، وقال: اللهم إنا نتوسل إليك بعم نبيك أن تذهب عنا المحل2، وأن تسقينا الغيث، فلم يبرحوا حتى سقوا، فأطبقت السماء عليهم أيامًا3.
وفيها فتحت الأهواز صلحًا.
وفي سنة ثمان عشرة فتحت جنديسابور صلحًا، وحلوان عنوة، وفيها كان طاعون عمواس، وفيها فتحت الرها، وسيميساط عنوة، وحران ونصيبين وطائفة من الجزيرة عنوة وقيل: صلحًا والموصل ونواحيها عنوة.
وفي سنة تسع عشرة فتحت قيسارية عنوة.
وفي سنة عشرين فتحت مصر عنوة، وقيل: مصر صلحًا إلا الإسكندرية فعنوة، وقال علي بن رباح: المغرب كله عنوة، وفيها فتحت تستر، وفيها هلك قيصر عظيم الروم، وفيها أجلى عمر اليهود عن خيبر وعن نجران، وقسم خيبر ووادي القرى.
وفي سنة إحدى وعشرين فتحت الإسكندرية عنوة، ونهاوند، ولم يكن للأعاجم بعدها جماعة، وبرقة وغيرها.
وفي سنة اثنتين وعشرين فتحت أذربيجان عنوة، وقيل: صلحًا والدينور عنوة، وماسبذان عنوة، وهمذان عنوة، وطرابلس المغرب، والري، وعسكر، وقومس.
وفي سنة ثلاث وعشرين كان فتح كرمان، وسجستان، ومكران من بلاد الجبل وأصبهان ونواحيها.
وصيته واستشهاده رضي الله عنه وارضاه
قال سعيد بن المسيب: لما نفر عمر من منى أناخ بالأبطح، ثم استلقى ورفع يديه إلى السماء، وقال: اللهم كبرت سني، وضعفت قوتي، وانتشرت رعيتي، فاقبضني إليك غير مضيع ولا مفرط، فما انسلخ ذو الحجة حتى قتل .
وقال معدان بن أبي طلحة: خطب عمر فقال: رأيت كأن ديكًا نقرني نقرة أو نقرتين، وإني لا أراه إلا حضور أجلي، وإن قومًا يأمرونني أن أستخلف وإن الله لم يكن ليضيع دينه ولا خلافته، فإن عجل بي أمر فالخلافة شورى بين هؤلاء الستة الذين توفي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهو راضٍ عنهم . أخرجه الحاكم.
وقال الزهري: كان عمر -رضي الله عنه- لا يأذن لصبي قد احتلم في دخول المدينة حتى كتب إليه المغيرة بن شعبة وهو على الكوفة يذكر له غلامًا عنده جملة صنائع، ويستأذنه أن يدخل المدنية، ويقول: إن عنده أعمالًا كثيرة فيها منافع للناس، إنه حداد، نقاش، نجار، فأذن له عمر أن يرسله إلى المدينة، وضرب عليه المغيرة مائة درهم في الشهر، فجاء إلى عمر يشتكي شدة الخراج، فقال: ما خراجك بكثير، فانصرف ساخطًا يتذمر، فلبث عمر ليالي ثم دعاه فقال: ألم أخبر أنك تقول: أو أشاء لصنعت رحى تطحن بالريح؟ فالتفت إلى عمر عابسًا وقال: لأصنعن لك رحى يتحدث الناس بها، فلما ولى قال عمر لأصحابه: أوعدني العبد آنفًا، ثم اشتمل أبو لؤلؤة على خنجر ذي رأسين، نصابه في وسطه، فكمن بزاوية من زوايا المسجد في الغلس ، فلم يزل هناك حتى خرج عمر يوقظ الناس للصلاة، فلما دنى منه طعنه ثلاث طعنات. أخرجه ابن سعد.
وقال عمرو بن ميمون الأنصاري: إن أبا لؤلؤة عبد المغيرة طعن عمر بخنجر له رأسان، وطعن معه اثني عشر رجلًا مات منهم ستة، فألقى عليه رجل من أهل العراق ثوبًا، فلما اغتم فيه قتل نفسه.
وقال عمرو بن ميمون: قال عمر: الحمد لله الذي لم يجعل منيتي بيد رجل يدعي الإسلام، ثم قال لابنه: يا عبد الله انظر ما علي من الدين، فحسبوه فوجدوه ستة وثمانين ألفًا أو نحوها، فقال: إن وفى مال آل عمر فأده من أموالهم، وإلا فاسأل في بني عدي، فإن لم تفِ أموالهم فاسأل في قريش، اذهب إلى أم المؤمنين عائشة فقل: يستأذن عمر أن يدفن مع صاحبيه، فذهب إليها فقالت: كنت أريده -تعني المكان- لنفسي، ولأوثرنه اليوم على نفسي، فأتى عبد الله فقال: قد أذنت، فحمد الله تعالى وقيل له: أوصِ يا أمير المؤمنين واستخلف، قال: ما أرى أحدًا أحق بهذا الأمر من هؤلاء النفر الذين توفي النبي -صلى الله عليه وسلم- وهو راضٍ عنهم، فسمى الستة، وقال: يشهد عبد الله بن عمر معهم وليس له من الأمر شيء، فإن أصابت الإمرة سعدًا فهو ذاك، وإلا فليستعن به أيكم ما أمر، فإني لم أعزله من عجز ولا خيانة، ثم قال: أوصي الخليفة من بعدي بتقوى الله، وأوصيه بالمهاجرين والأنصار، وأوصيه بأهل الأمصار خيرًا في مثل ذلك من الوصية، فلما توفي خرجنا به نمشي، فسلم عبد الله بن عمر وقال: عمر يستأذن، فقالت عائشة: أدخلوه، فأدخل في موضع هناك مع صاحبيه، فلما فرغوا من دفنه ورجعوا اجتمع هؤلاء الرهط فقال عبد الرحمن بن عوف: اجعلوا أمركم إلى ثلاثة منكم، فقال الزبير: قد جعلت أمري إلى علي، وقال سعد: قد جعلت أمري إلى عبد الرحمن، وقال طلحة: قد جعلت أمري إلى عثمان، قال: فخلا هؤلاء الثلاثة، فقال عبد الرحمن: أنا لا أريدها، فأيكما يبرأ من هذا الأمر ونجعله إليه؟ والله عليه والإسلام لينظر أفضلهم في نفسه وليحرص على صلاح الأمة، فسكت الشيخان علي وعثمان، فقال عبد الرحمن: اجعلوه إلي، والله علي لا آلوكم عن أفضلكم، قالا: نعم، فخلا بعلي وقال: لك من القدم في الإسلام والقرابة من النبي -صلى الله عليه وسلم- ما قد علمت، والله عليك لئن أمرتك لتعدلن، ولئت أمرت عليك لتسمعن ولتطيعن؟ قال: نعم، ثم خلا بالآخر فقال له كذلك، فلما أخذ ميثاقهما بايعه عثمان وبايعه علي.
ولقد أصيب عمر يوم الأربعاء لأربع بقين من ذي الحجة، ودفن يوم الأحد مستهل المحرم الحرام، وله ثلاث وستون سنة، وقيل: ست وستون سنة، وقيل: إحدى وستون، وقيل: ستون، ورجحه الواقدي وقيل: تسع وخمسون، وقيل: خمس أو أربع وخمسون، وصلى عليه صهيب في المسجد.
وهكذا كانت خاتمة امير المؤمنين عمر بن الخطاب الذي اعيا من خلفه ان يكون مثله في زهده وورعه وتقواه
رحمك الله ياعمر رحمك الله يا امير المؤمنين .



1 التعليقات:
إرسال تعليق