الأربعاء، 16 ديسمبر 2015

ابو بكر الصديق رضي الله عنه

ابو بكر الصديق رضي الله عنه


نبذة عنه
اسمه: عبد الله بن أبي قحافة عثمان بن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب، القرشي، التيمي، يلتقي مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في مرة.
قال النووي في تهذيبه: وما ذكرناه -من أن اسم أبي بكر الصديق عبد الله- هو الصحيح المشهور، وقيل: اسمه عتيق، والصواب الذي عليه كافة العلماء أن عتيقًا لقب له لا اسم، ولقّب عتيقًا لعتقه من النار، كما ورد في حديث رواه الترمذي2، وقيل: لعتاقة وجهه -أي: حسنه وجماله- قاله مصعب بن الزبير، والليث بن سعد، وجماعة. وقيل: لأنه لم يكن في نسبه شيء يعاب به.
قال مصعب بن الزبير وغيره: وأجمعت الأمة على تسميته بالصديق؛ لأنه بادر إلى تصديق رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ولازم الصدق، فلم تقع منه هناة، ما، ولا وقفة في حال من الأحوال، وكانت له في الإسلام المواقف الرفيعة مخنها قصته ليلة الإسراء، وثباته، وجوابه للكفار في ذلك، وهجرته مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وترك عياله وأطفاله، وملازمته في الغار وسائر الطريق، ثم كلامه يوم بدر ويوم الحديبية حين اشتبه على غيره الأمر في تأخر دخول مكة، ثم بكاؤه حين قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن عبدًا خيره الله بين الدنيا والآخرة فاختار الآخرة"، ثم ثباته يوم وفاة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وخطبته الناس وتسكينهم، ثم قيامه في قضية البيعة لمصلحة المسلمين، ثم اهتمامه وثباته في بعث جيش أسامة بن زيد إلى الشام وتصميمه في ذلك، ثم قيامه في قتال أهل الردة ومناظرته للصحابة حتى حجهم بالدلائل، وشرح الله صدورهم لما شرح له صدره من الحق -وهو قتال أهل الردة- ثم تجهيزه الجيوش إلى الشام لفتوح وإمدادهم بالأمداد، ثم ختم ذلك بمهمّ من أحسن مناقبه وأجل فضائله، وهو استخلافه على المسلمين عمر -رضي الله عنه- وتفرسه فيه، ووصيته له، واستيداعه الله الأمة، فخلفه الله -عز وجل- فيهم أحسن الخلافة، وظهر لعمر الذي هو حسنة من حسناته وواحدة من فعلاته تمهيد الإسلام، وإعزاز الدين، وتصديق وعد الله تعالى بأنه يظهره على الدين كله، وكم للصديق من مناقب ومواقف وفضائل لا تحصى؟ هذا كلام النووي. (المصدر : كتاب تاريخ الخلفاء للامام السيوطي)

نبيل العوضي - قصة ابو بكر الصديق رضي الله عنه


فصل: كان أبو بكر رضي الله عنه أعف الناس في الجاهلية

•    أخرج ابن عساكر بسند صحيح عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: والله ما قال أبو بكر شعرًا قط في جاهلية ولا إسلام، ولقد ترك هو وعثمان شرب الخمر في الجاهلية.
•    وأخرج أبو نعيم بسند جيد عنها، قالت: لقد حرّم أبو بكر الخمر على نفسه في الجاهلية.
•    وأخرج ابن عساكر عن عبد الله بن الزبير قال: ما قال أبو بكر شعرًا قط.
•    وأخرج ابن عساكر عن أبي العالية الرياحيّ، قال: قيل لأبي بكر الصديق في مجمع من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: هل شربت الخمر في الجاهلية؟ فقال: أعوذ بالله، فقيل: ولِمَ؟ قال: كنت أصون عرضي، وأحفظ مروءتي، فإن من شرب الخمر كان مضيعًا في عرضه ومروءته، قال: فبلغ ذلك رسول الله -عليه الصلاة والسلام- فقال: "صدق أبو بكر، صدق أبو بكر" مرتين، مرسل غريب سندًا ومتنًا.

فصل: في صفته رضي الله عنه

أخرج ابن سعد عن عائشة -رضي الله عنها- أن رجلاً قال لها: صِفي لنا أبا بكر، فقالت: رجل أبيض، نحيف، خفيف العارضين(المقصود بالعارض جهة الوجه )، أجنأ(ميل في الظهر، وقيل: في العنق. ) ، لا يستمسك إزاره يسترخي على حقويه (معقد الإزار) ، معروق الوجه(عروق وجهه ظاهرة ) ، غائر العينين، ناتئ الجبهة ، عاري الأشاجع(أي كان اللحم عليها قليلاً). هذه صفته.

فصل: في إسلامه رضي الله عنه

•    أخرج الترمذي وابن حبان في صحيحه عن أبي سعيد الخدريّ قال: قال أبو بكر: ألست أحق الناس بها؟ أي الخلافة، ألست أول من أسلم؟ ألست صاحب كذا؟ ألست صاحب كذا؟ ألست صاحب كذا .
•    وأخرج ابن عساكر من طريق الحارث عن علي رضي الله عنه، قال: أول من أسلم من الرجال أبو بكر الصديق .
•    وأخرج ابن سعد عن أبي أروى الدوسي الصحابي -رضي الله عنه- قال: أول من أسلم أبو بكر الصديق.
•    وأخرج الطبراني في الكبير، وعبد الله بن أحمد في زوائده الزهد، عن الشعبي، قال: سألت ابن عباس: أي الناس كان أول إسلامًا؟ قال: أبو بكر الصديق، ألم تسمع قول حسان:
إذا تذكرت شجوًا من أخي ثقة ... فاذكر أخاك أبا بكر بما فعلا
خير البرية، أتقاها وأعدلها ... إلا النبي، وأوفاها بما حملا
والثانيَ التاليَ المحمود مشهده ... وأول الناس منهم صدّق الرسلا

فصل: في صحبته ومشاهده

قال العلماء: صحب أبو بكر النبي -عليه الصلاة والسلام- من حين أسلم إلى حين توفي، لم يفارقه سفرًا ولا حضرًا، إلا فيما أذن له عليه الصلاة والسلام في الخروج فيه من حج وغزو، وشهد معه المشاهد كلها، وهاجر معه، وترك عياله وأولاده رغبة في الله ورسوله -صلى الله عليه وسلم- وهو رفيقه في الغار، قال تعالى: {ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا} [التوبة: 40] وقام بنصر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في غير موضع، وله الآثار الجميلة في المشاهد، وثبت يوم أحد ويوم حنين، وقد فرّ الناس، كما سيأتي في فصل شجاعته.
أخرج ابن عساكر عن أبي هريرة قال: تباشرت الملائكة يوم بدر، فقالوا: أما ترون الصديق مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في العريش؟
وأخرج أبو يعلى، والحاكم، وأحمد، عن علي قال: قال لي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يوم بدر ولأبي بكر: "مع أحدكما جبريل، ومع الآخر ميكائيل"
وأخرج ابن عساكر عن ابن سيرين: أن عبد الرحمن بن أبي بكر كان يوم بدر مع المشركين، فلما أسلم قال لأبيه: لقد أهدفت لي يوم بدر، فانصرفت عنك ولم أقتلك، فقال أبو بكر: لكنك لو أهدفت لي لم أنصرف عنك.
فصل: في شجاعته وأنه أشجع الصحابة رضي الله عنه
أخرج البزار في مسنده عن علي أنه قال: أخبروني من أشجع الناس؟ فقالوا: أنت، قال: أما إني ما بارزت أحدًا إلا انتصفت منه، ولكن أخبروني بأشجع الناس؟ قالوا: لا نعلم، فمن؟ قال: أبو بكر، إنه لما كان يوم بدر، فجعلنا لرسول الله -عليه الصلاة والسلام- عريشًا، فقلنا: من يكون مع رسول الله -عليه الصلاة والسلام- لئلا يهوى إليه أحد من المشركين؟ فوالله ما دنا منا أحد إلا أبو بكر شاهرًا بالسيف على رأس رسول الله -عليه الصلاة والسلام- لا يهوى إليه أحد إلا هوى إليه؛ فهو أشجع الناس، قال علي رضي الله عنه: لقد رأيت رسول الله -عليه الصلاة والسلام- وأخذته قريش، فهذا يجبأه1، وهذا يتلتله2، وهم يقولون: أنت الذي جعلت الآلهة إلها واحدا؟ قال: فوالله ما دنا منا أحد إلا أبو بكر يضرب هذا، ويجبأ هذا، ويتلتل هذا، وهو يقول: ويلكم! أتقتلون رجلاً أن يقول ربي الله، ثم رفع على بردة كانت عليه، فبكى حتى اخضلّت3 لحيته ثم قال: أنشدكم الله، أمؤمن آل فرعون خير أم أبو بكر؟ فسكت القوم، فقال: ألا تجيبوني؟ فوالله لساعة من أبي بكر خير من ألف ساعة من مثل مؤمن آل فرعون ذاك رجل يكتم إيمانه، وهذا رجل أعلن إيمانه.
وأخرج البخاري عن عروة بن الزبير قال: سألت عبد الله بن عمرو بن العاص عن أشد ما صنع المشركون برسول الله -عليه الصلاة والسلام- فقال: رأيت عقبة بن أبي معيط جاء إلى النبي -عليه الصلاة والسلام- وهو يصلي، فوضع رداءه في عنقه، فخنقه خنقًا شديدًا، فجاء أبو بكر حتى دفعه عنه، فقال: أتقتلون رجلاً أن يقول ربي الله وقد جاءكم بالبيانات من ربكم؟


فصل: في إنفاقه ماله على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأنه أجود الصحابة
قال الله تعالى: {وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى، الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى} [الليل: 18،17] إلى آخر السورة. قال ابن الجوزي: أجمعوا على أنها نزلت في أبي بكر.
وأخرج أحمد عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما نفعني مال قط ما نفعني مال أبي بكر" فبكى أبو بكر، وقال: هل أنا ومالي إلا لك يا رسول الله؟.

وأخرج أبو سعيد الأعرابي عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: أسلم أبو بكر رضي الله عنه يوم أسلم وفي منزله أربعون ألف درهم فخرج إلى المدينة في الهجرة وما له غير خمسة آلاف، كل ذلك ينفقه في الرقاب والعون على الإسلام.

وأخرج ابن عساكر عن عائشة -رضي الله عنها- أن أبا بكر أعتق سبعة كلهم يعذب في الله.

وأخرج أبو داود والترمذي، عن عمر بن الخطاب، قال: أمرنا رسول الله -عليه الصلاة والسلام- أن نتصدق فوافق ذلك مالاً عندي، قلت: اليوم أسبق أبا بكر -إن سبقته يومًا- فجئت بنصف مالي، فقال رسو الله عليه الصلاة والسلام: "ما أبقيت لأهلك؟ " قلت: مثله، وأتى أبو بكر بكل ما عنده، فقال: "يا أبا بكر، ما أبقيت لأهلك؟ " قال: أبقيت لهم الله ورسوله، فقلت: لا أسبقه في شيء أبدًا.
 قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.

وأخرج ابن عساكر عن ابن عباس قال: قال رسول الله عليه الصلاة والسلام: "ما أحد عندي أعظم يدًا من أبي بكر، واساني بنفسه وماله، وأنكحني ابنته".
فصل: في علمه، وأنه أعلم الصحابة، وأذكاهم
قال النووي في تهذيبه، ومن خطه نقلت: استدل أصحابنا على عظم علمه بقوله -رضي الله عنه- في الحديث الثابت في الصحيحين: والله لأقاتلن من فرّق بين الصلاة والزكاة، والله لو منعوني عقالاً كانوا يؤدونه إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لقاتلتهم على منعه. واستدل الشيخ أبو إسحاق بهذا وغيره في طبقاته على أن أبا بكر الصديق -رضي الله عنه- أعلم الصحابة؛ لأنهم كلهم وقفوا عن فهم الحكم في المسألة إلا هو، ثم ظهرت لهم بمباحثته لهم أن قوله هو الصواب، فرجعوا إليه.
وروينا عن ابن عمر أنه سئل: من كان يفتي الناس في زمن رسول الله عليه الصلاة والسلام؟ فقال: أبو بكر وعمر -رضي الله عنهما- ما أعلم غيرهما.
وأخرج الشيخان عن أبي سعيد الخدري قال: خطب رسول الله -عليه الصلاة والسلام- الناس وقال: "إن الله تعالى خَيَّرَ عبدًا بين الدنيا وبين ما عنده، فاختار ذلك العبد ما عند الله". فبكى أبو بكر وقال: نفديك بآبائنا وأمهاتنا، فعجبنا لبكائه أن يخبر رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- عن عبد خيّر، فكان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- هو المخير، وكان أبو بكر أعلمنا، فقال رسول الله عليه الصلاة والسلام: "إن من أمنّ الناس عليّ في صحبته وماله أبا بكر، ولو كنت متخذًا خليلاً غير ربي لاتخذت أبا بكر، ولكن أخوة الإسلام ومودته، لا يبقينّ باب إلا سدّ إلا باب أبي بكر" 2. هذا كلام النووي.
وقال ابن كثير: كان الصديق -رضي الله عنه- أقرأ الصحابة -أي: أعلمهم بالقرآن- لأنه عليه الصلاة والسلام قدّمه إمامًا للصلاة بالصحابة -رضي الله عنه- مع قوله: "يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله".
وأخرج الترمذي عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: قال رسول الله عليه الصلاة والسلام: "لاينبغي لقوم فيهم أبو بكر أن يؤمهم غيره"
وكان -مع ذلك- أعلمهم بالسنة، كلما رجع إليه الصحابة في غير موضع يبرز عليهم بنقل سنن عن النبي -صلى الله عليه وسلم- يحفظها هو ويستحضرها عند الحاجة إليها، ليست عندهم، وكيف لا يكون كذلك وقد واظب على صحبة الرسول -عليه الصلاة والسلام- من أول البعثة إلى الوفاة؟ وهو مع ذلك من أذكى عباد الله وأعقلهم، وإنما لم يروَ عنه من الأحاديث المسندة إلا القليل لقصر مدته، وسرعة وفاته بعد النبي -صلى الله عليه وسلم- وإلا فلو طالت مدته لكثر ذلك عنه جدًّا، ولم يترك الناقلون عنه حديثًا إلا نقلوه، ولكن كان الذين في زمانه من الصحابة لا يحتاج أحد منهم أن ينقل عنه ما قدر شاركه هو في روايته؛ فكانوا ينقلون عنه ما ليس عندهم.

من اقواله رضي الله عنه
1 - حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ مَالِكٍ، ثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، ثَنَا مُصْعَبٌ الزُّبَيْرِيُّ، حَدَّثَنِي مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ عُمَرَ، دَخَلَ عَلَى أَبِي بَكْرٍ وَهُوَ يَجْبِذُ لِسَانَهُ , فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: مَهْ غَفَرَ اللهُ لَكَ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: «إِنَّ هَذَا أَوْرَدَنِي الْمَوَارِدَ»
2 - حَدَّثَنَا أَبِي، ثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْحَسَنِ، ثَنَا هَارُونُ بْنُ إِسْحَاقَ، أَنْبَأَنَا عَبْدَةُ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ، قَالَ: قَالَ: أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: «طُوبَى لِمَنْ مَاتَ فِي النَّانَاتِ» قِيلَ: وَمَا النَّانَاتُ؟ قَالَ: «جِدَّةُ الْإِسْلَامِ»
3 - حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَعِيدٍ، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَزِيزٍ، ثَنَا سَلَامَةُ بْنُ رَوْحٍ، عَنْ عَقِيلٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ أَبَا بَكْرٍ، رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ خَطَبَ النَّاسَ فَقَالَ: «يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ اسْتَحْيُوا مِنَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ , فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنِّي لَأَظَلُّ حِينَ أَذْهَبُ إِلَى الْغَائِطِ فِي الْفَضَاءِ مُتَقَنِّعًا بِثَوْبِي اسْتِحْيَاءً مِنْ رَبِّي عَزَّ وَجَلَّ» رَوَاهُ ابْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ يُونُسَ نَحْوَهُ

4 - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ حَمْدَانَ، ثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، ثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ مَالِكِ بْنِ مِغْوَلٍ، عَنْ أَبِي السَّفَرِ، قَالَ: " مَرِضَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ فَعَادُوهُ فَقَالُوا: أَلَا نَدْعُو لَكَ الطَّبِيبَ؟ قَالَ: «قَدْ رَآنِي» قَالُوا: فَأَيُّ شَيْءٍ قَالَ لَكَ؟ قَالَ: قَالَ: «إِنِّي فَعَّالٌ لِمَا أُرِيدُ» ( المصدر حلية الاولياء للامام ابو نعيم الاصبهاني)

فصل: في أنه أفضل الصحابة وخيرهم\

أجمع أهل السنة أن أفضل الناس -بعد رسول الله عليه الصلاة والسلام- أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي، ثم سائر العشرة، ثم باقي أهل بدر، ثم باقي أهل أحد، ثم باقي أهل البيعة، ثم باقي أهل الصحابة، هكذا حكى الإجماع عليه أبو منصور البغدادي.
وأخرج البخاري عن محمد بن علي بن أبي طالب قال: قلت لأبي: أي الناس خير بعد النبي صلى الله عليه وسلم؟ قال: أبو بكر، قلت: ثم من؟ قال: عمر، وخشيت أن يقول عثمان فقلت: ثم أنت؟ قال: ما أنا إلا رجل من المسلمين .

فصل: فيما أنزل من الآيات في مدحه، أو تصديقه 

قال الله تعالى: {ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ} [التوبة: 40] أجمع المسلمون على أن الصاحب المذكور أبو بكر وسيأتي فيه أثر عنه.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله تعالى: {فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ} قال: على أبي بكر؛ إن النبي -صلى الله عليه وسلم- لم تزل السكينة عليه.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن مسعود أن أبا بكر اشترى بلالاً من أمية بن خلف، وأبي ابن خلف، ببردة وعشر أواقٍ، فأعتقه لله، فأنزل الله: {وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى} إلى قوله: {إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى} [الليل: 1-4] سعي أبي بكر، وأمية، وأُبَيّ.
وأخرج ابن جرير عن عامر بن عبد الله بن الزبير قال: كان أبو بكر يعتق على الإسلام بمكة، فكان يعتق عجائز ونساء إذا أسلمن، فقال أبوه: أي بني، أراك تعتق أناسًا ضعافًا، فلو أنك تعتق رجالاً جلدًا يقومون معك ويمنعونك ويدفعون عنك؟ قال: أي أبت، أنا أريد ما عند الله، قال: فحدثني بعض أهل بيتي أن هذه الآية نزلت فيه: {فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى} [الليل: 5] إلى آخرها.
وأخرج ابن أبي حاتم والطبراني عن عروة: أن أبا بكر الصديق -رضي الله عنه- أعتق سبعة كلهم يعذب في الله، وفيه نزلت: {وَسَيُجَنَّبُهَا الأَتْقَى} [الليل: 17] إلى آخر السورة.
وأخرج البزار عن عبد الله بن الزبير قال: نزلت هذه الآية: {وَمَا لأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى} [الليل: 19] إلى آخر السورة في أبي بكر الصديق، رضي الله عنه.
وأخرج البخاري1 عن عائشة -رضي الله عنها- أن أبا بكر لم يكن يحنث في يمين حتى أنزل الله كفارة اليمين.
وأخرج البزار وابن عساكر عن أسيد بن صفوان -وكانت له صحبة- قال: قال عليّ: والذي جاء بالحق محمد، وصدق به أبو بكر الصديق، قال ابن عساكر: هكذا الرواية بالحق ولعلها قراءة لعلي.
وأخرج الحاكم عن ابن عباس في قوله تعالى: {وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْر} [آل عمران: 159] قال: نزلت في أبي بكر وعمر.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن شؤذب قال: نزلت: {وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَان} [الرحمن: 46] في أبي بكر -رضي الله عنه- وله طرق أخرى ذكرتها في أسباب النزول.
وأخرج الطبراني في الأوسط عن ابن عمر وابن عباس في قوله تعالى: {وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِين} [التحريم: 4] قال: نزلت في أبي بكر وعمر.
وأخرج عبد الله بن أبي حميد في تفسيره عن مجاهد قال: لما نزلت: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِي} [الأحزاب: 56] قال أبو بكر: يا رسول الله، ما أنزل الله عليك خيرًا إلا أشركنا فيه، فنزلت هذه الآية: {هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ} [الأحزاب: 43] .
وأخرج ابن عساكر عن علي بن الحسين أن هذه الآية نزلت في أبي بكر وعمر وعلي: {وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِين} [الحجر: 47] .
وأخرج ابن عساكر عن ابن عباس قال: نزلت في أبي بكر الصديق: {وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا} إلى قوله: {وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُون} [الأحقاف: 15، 16] .
وأخرج ابن عساكر عن ابن عيينة قال: عاتب الله المسلمين كلهم في رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلا أن أبا بكر وحده، فإنه خرج من المعاتبة، ثم قرأ: {إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَار} [التوبة: 40] .
فصل: في الأحاديث الواردة في فضله مقرونًا بعمر، سوى ما تقدم
أخرج الشيخان2 عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: "بينا راعٍ في غنمه عدا عليه الذئب فأخذ منها شاة فطلبه الراعي، فالتفت إليه الذئب فقال: من لها يوم السبع يوم لا راعي لها غيري؟ وبينا رجل يسوق بقرة قد حمل عليها فالتفتت إليه فكلمته، فقال: إني لم أخلق لهذا، ولكني خلقت للحرث". قال الناس: سبحان الله بقرة تتكلم؟! قال النبي صلى الله عليه وسلم: "فإني أؤمن بذلك وأبو بكر وعمر"، وما ثَمّ أبو بكر وعمر، أي: لم يكونا في المجلس، شهد لهما بالإيمان بذلك، لعلمه بكمال إيمانهما.

فصل: في مبايعته رضي الله عنه

روى الشيخان أن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- خطب الناس مرجعه من الحج، فقال في خطبته: قد بلغني أن فلانًا منكم يقول: لو مات عمر بايعت فلانًا، فلا يغترن امرؤ أن يقول: إن بيعة أبي بكر كانت فلته وتمت، ألا وإنها كانت كذلك، إلا أن الله وقى شرها، وليس فيكم اليوم من تقطع إليه الأعناق مثل أبي بكر، وإنه كان من خيرنا حين توفي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وإن عليًّا والزبير ومن معهما تخلفوا في بيت فاطمة، وتخلفت الأنصار عنا بأجمعها في سقيفة بني ساعدة، واجتمع المهاجرون إلى أبي بكر فقلت له: يا أبا بكر انطلق بنا إلى إخواننا من الأنصار، فانطلقنا نؤمهم حتى لقينا رجلان صالحان، فذكرا لنا الذي صنع القوم، فقالا: أين تريدون، يا معشر المهاجرين؟ قلت: نؤيد إخواننا من الأنصار، فقال: عليكم ألا تقربوهم، واقضوا أمركم يا معشر المهاجرين؟ فقلت: والله لنأتينهم، فانطلقنا حتى جئناهم في سقيفة بني ساعدة، فإذا هم مجتمعون، وإذا بين ظهرانيهم رجل مزمل، فقلت: من هذا؟ قالوا: سعد بن عبادة، فقلت: ما له؟ قالوا: وجع، فلما جلسنا قام خطيبهم فأثنى على الله بما هو أهله، وقال: أما بعد، فنحن أنصار الله وكتيبة الإسلام، وأنتم يا معشر المهاجرين رهط منا، وقد دفت دافة منكم تريدون أن تختزلونا من أصلنا وتغصبونها من الأمر، فلما سكت أردت أن أتكلم وقد كنت زورت مقالة أعجبتني، أردت أن أقولها بين يدي أبي بكر، وقد كنت أداري منه بعض الحد وهو كان أحلم مني وأوقر، فقال أبو بكر: على رسلك! فكرهت أن أغضبه، وكان أعلم مني، والله ما ترك من كلمة أعجبتني في تزويري إلا قال في بداهته مثلها وأفضل منها حتى سكت، فقال: أما بعد، فما ذكرتم فيكم من خير فأنتم أهله، ولم تعرف العرب هذا الأمر لهذا الحي من قريش، هم أوسط العرب نسبًا ودارًا، وقد رضيت لكم أحد هذين الرجلين فبايعوا أيهما شئتم، فأخذ بيدي وبيد أبي عبيدة بن الجراح وهو جالس بيننا فلم أكره مما قال غيرها، وكان والله أن أقدم فتضرب عنقي لا يقربني ذلك من إثم أحب إلى من أن أتأمر على قوم فيهم أبو بكر، فقال قائل من الأنصار: أن جذيلها المحكك وعذيقها المرجب، منا أمير ومنكم أمير يا معشر قريش، وكثر اللغط، وارتفعت الأصوات، حتى خشيت الاختلاف، فقلت: ابسط يدك يا أبا بكر، فبسط يده فبايعته وبايعه المهاجرون، ثم بايعه الأنصار، أما والله ما وجدنا فيمن حضرنا أمرًا هو أوفق من مبايعة أبي بكر، خشينا إن فارقنا القوم، ولم تكن بيعة أن يحدثوا بعدنا بيعة، فإما أن نبايعهم على ما لا نرضى، وإما أن نخالفهم فيكون فيهم فساد .


فصل: في بعضا مما وقع في خلافته

والذي وقع في أيامه من الأمور الكبار: تنفيذ جيش أسامة، وقتال أهل الردة، ومانعي الزكاة، ومسيلمة الكذاب، وجمع القرآن.
أخرج الإسماعيلي عن عمر -رضي الله عنه- قال: لما قبض رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ارتد من ارتد من العرب وقالوا: نصلي ولا نزكي، فأتيت أبا بكر فقلت: يا خليفة رسول الله! تألف الناس وارفق بهم فإنهم بمنزلة الوحش، فقال: رجوت نصرتك وجئتني بخذلانك، جبارًا في الجاهلية خوارًا في الإسلام، بماذا عسيت أن أتألفهم؟ بشعر مفتعل أو بسحر مفترى؟ هيهات هيهات! مضى النبي -صلى الله عليه وسلم- وانقطع الوحي، والله لأجاهدنهم ما استمسك السيف في يدي وإن منعوني عقالاً، قال عمر: فوجدته في ذلك أمضى مني وأحزم وأدب الناس على أمور هانت على كثير من مؤنتهم حين وليتهم.
وأخرج أبو القاسم البغوي، وأبو بكر الشافعي في فوائده، وابن عساكر عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: لما توفي النبي -صلى الله عليه وسلم- اشرأب النفاق، وارتدت العرب، وانحازت الأنصار، فلو نزل بالجبال الراسيات ما نزل بأبي لهاضها، فما اختلفوا في نقطة إلا طار أبي بفنائها
وفضلها، قالوا: أين يدفن النبي، صلى الله عليه وسلم؟ فما وجدنا عند أحد من ذلك علمًا، فقال أبو بكر: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: "ما من نبي يقبض إلا دفن تحت مضجعه الذي مات فيه". قالت: واختلفوا في ميراثه، فما وجدوا عند أحد من ذلك علمًا، فقال أبو بكر: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: "إنا معشر الأنبياء لا نورث، ما تركناه صدقة".
قال الأصمعي: الهيض: الكسر للعظم، والاشرئباب: رفع الرأس.
قال بعض العلماء: وهذا أول اختلاف وقع بين الصحابة -رضي الله عنهم- فقال بعضهم: ندفنه بمكة بلده الذي ولد بها، وقال آخرون: بل بمسجده، وقال آخرون: بل بالبقيع، وقال آخرون: بل في بيت المقدس مدفن الأنبياء، حتى أخبرهم أبو بكر بما عنده من علم قال ابن زنجوية: وهذه سنة تفرد بها الصديق من بين المهاجرين والأنصار، ورجعوا إليه فيها.
وأخرج البيهقي وابن عساكر عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: والذي لا إله إلا هو لولا أن أبا بكر استخلف ما عُبد الله، ثم قال الثانية، ثم قال الثالثة، فقيل له: مه يا أبا هريرة فقال: إن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وجه أسامة بن زيد في سبعمائة إلى الشام، فلما نزل بذي خشب قبض النبي -صلى الله عليه وسلم- وارتدت العرب حول المدينة، واجتمع إليه أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- فقالوا: رد هؤلاء، توجه هؤلاء إلى الروم وقد ارتدت العرب حول المدينة فقال: والذي لا إله إلا هو لو جرت الكلاب بأرجل أزواج النبي -صلى الله عليه وسلم- ما رددت جيشًا وجهه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ولا حللت لواء عقده، فوجه أسامة، فجعل لا يمر بقبيل يريدون الارتداد إلا قالوا: لولا أن لهؤلاء قوة ما خرج مثل هؤلاء من عندهم، ولكن ندعهم حتى يلقوا الروم، فلقوهم فهزموهم وقتلوهم ورجعوا سالمين فثبتوا على الإسلام.
وأخرج عن عروة قال: جعل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول في مرضه: "أنفذوا جيش أسامة"، فسار حتى بلغ الجرف، فأرسلت إليه امرأته فاطمة بنت قيس تقول: لا تعجل، فإن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ثقل فلم يبرح حتى قبض رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فلما قبض رجع إلى أبي بكر، فقال: إن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بعثني وأنا على غير حالكم هذه، وأنا أتخوف أن تكفر العرب، وإن كفرت كانوا أول من يقاتل، وإن لم تكفر مضيت، فإني معي سروات1 الناس وخيارهم، فخطب أبو بكر الناس، ثم قال: والله لأن تخطفني الطير أحب إلى من أن أبدأ بشيء قبل أمر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فبعثه.
ذكر جمع القرآن
أخرج البخاري عن زيد بن ثابت قال: أرسل إلى بكر مقتل أهل اليمامة وعنده عمر، فقال أبو بكر: إن عمر أتاني فقال: إن القتل قد استحر يوم اليمامة بالناس، وإني لأخشى أن يستحر القتل بالقراء في المواطن، فيذهب كثير من القرآن إلا أن يجمعوه، وإني لأرى أن يجمع القرآن، قال أبو بكر: فقلت لعمر: كيف أفعل شيئًا لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال عمر: هو والله خير، فلم يزل عمر يراجعني فيه حتى شرح الله لذلك صدري، فرأيت الذي رأى عمر، قال زيد: وعمر عنده جالس لا يتكلم فقال أبو بكر: إنك شاب عاقل، ولا نتهمك، وقد كنت تكتب الوحي لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- فتتبع القرآن فاجمعه، فوالله لو كلفني نقل جبل من الجبال ما كان أثقل عليّ مما أمرني به من جمع القرآن، فقلت كيف تفعلان شيئًا لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال أبو بكر: هو والله خير، فلم أزل أراجعه حتى شرح الله صدري للذي شرح له صدر أبي بكر فتتبعت القرآن أجمعه من الرقاع والأكتاف والعسب وصدور الرجال، حتى وجدت من سورة التوبة آيتين مع خزيمة بن ثابت، لم أجدهما مع غيره: {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُم} إلى آخرها [التوبة: 129،128] .
فكانت الصحف التي جمع فيها القرآن عند أبي بكر حتى توفاه الله، ثم عند عمر حتى توفاه الله، ثم عند حفصة بنت عمر رضي الله عنهما2.
وأخرج أبو يعلى عن علي، قال: أعظم الناس أجرًا في المصاحف أبو بكر، إن أبا بكر كان أول من جمع القرآن بين اللوحين.

فصل: في مرضه ووفاته، ووصيته، واستخلافه عمر

أخرج سيف والحاكم عن ابن عمر قال: كان سبب موت أبي بكر وفاة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كمد مازال جسده يضوي حتى مات. يضوي: أي ينقص.
أخرج ابن سعد والحاكم بسند صحيح عن ابن شهاب: أن أبا بكر والحارث بن كلدة كانا يأكلان خزيرة أهديت لأبي بكر، فقال الحارث لأبي بكر: ارفع يدك يا خليفة رسول الله -صلى الله عليه وسلم، والله إن فيها لسم سنة، وأنا وأنت نموت في يوم واحد، فرفع يده، فلم يزالا عليلين حتى ماتا في يوم واحد عند انقضاء السنة.
وأخرج الحاكم عن الشعبي قال: ماذا نتوقع من هذه الدنيا الدنية وقد سم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وسم أبو بكر؟!
وأخرج الواقدي والحاكم عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: كان أول بدء مرض أبي بكر أنه اغتسل يوم الاثنين لسبع خلون من جمادى الآخرة، وكان يومًا باردًا، فحم خمسة عشر يومًا لا يخرج إلى الصلاة، وتوفي ليلة الثلاثاء لثمانٍ بقين من جمادى الآخرة سنة ثلاث عشرة، وله ثلاث وستون سنة .

ما جاء بوصيته رضي الله عنه

وأخرج الواقدي من طرق: أن أبا بكر لما ثقل دعا عبد الرحمن بن عوف، فقال: أخبرني عن عمر بن الخطاب؟ فقال: ما تسألني عن أمر إلا وأنت أعلم به مني، فقال أبو بكر: وإن، فقال عبد الرحمن بن عوف: هو والله أفضل من رأيك فيه، ثم دعا عثمان بن عفان، فقال: أخبرني عن عمر؟ قال: أنت أخبرنا به، فقال: على ذلك، فقال: اللهم علمي به أن سريرته خير من علانيته، وأنه ليس فينا مثله، وشاور معهما سعيد بن زيد، وأسيد بن حضير، وغيرهما من المهاجرين، والأنصار، فقال أسيد: اللهم أعلمه الخير بعدك، يرضى للرضا ويسخط للسخط، الذي يسر خير من الذي يعلن، ولن يلي هذا الأمر أقوى عليه منه.
ودخل عليه بعض الصحابة، فقال له قائل منهم: ما أنت قائل لربك إذا سألك عن استخلافك عمر علينا وقد ترى علظته؟ فقال أبو بكر: بالله تخوفني؟ أقول: اللهم إني استخلفت عليهم خير أهلك، أبلغ عني ما قلت من ورائك. ثم دعا عثمان، فقال: اكتب: بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما عهد أبو بكر بن أبي قحافة في آخر عهده بالدنيا خارجًا منها، وعند أول عهده بالآخرة داخلًا فيها، حيث يؤمن الكافر، ويوقن الفاجر، ويصدق الكاذب، إني استخلفت عليكم بعدي عمر بن الخطاب، فاسمعوا له وأطيعوا وإني لم آل الله ورسوله ودينه ونفسي وإياكم خيرًا، فإن عدل فذلك ظني به وعلمي فيه، وإن بدل فلكل امرئ ما اكتسب، والخير أردت، ولا أعلم الغيب، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته، ثم أمر بالكتاب فختمه، ثم أمر عثمان فخرج بالكتاب مختومًا، فبايع الناس ورضوا به، ثم دعا أبو بكر عمر خاليًا، فأوصاه بما أوصاه، ثم خرج من عنده، فرفع أبو بكر يديه، وقال: اللهم إني لم أرد بذلك إلا صلاحهم، وخفت عليهم الفتنة، فعملت فيهم بما أنت أعلم به، واجتهدت لهم رأيًا، فوليت عليهم خيرهم، وأقواهم عليهم، وأحرصهم على ما أرشدهم، وقد حضرني من أمرك ما حضر، وفاخلفني فيهم، فهم عبادك، ونواصيهم بيدك، اصلح اللهم ولاتهم، واجعله من خلفائك الراشدين، وأصلح له رعيته.
رحمك الله ياخليفة رسول الله كم كنت رحيما بأمة رفيق دربك رسول الله صلى الله عليه وسلم .

عمر الفاروق رضي الله عنه

عمر الفاروق رضي الله عنه


نبذة عنه رضي الله عنه 

هو عمر بن الخطاب: بن نفيل بن عبد العزى بن رياح بن قرط بن رزاح بن عدي بن كعب بن لؤي، أمير المؤمنين، أبو حفص، القرشي، العدوي، الفاروق.
أسلم في السنة السادسة من النبوة، وله سبع وعشرون سنة، قاله الذهبي.
وقال النووي: ولد عمر بعد الفيل بثلاث عشرة سنة، وكان من أشراف قريش، وإليه كانت السفارة في الجاهلية، فكانت قريش إذا وقعت الحرب بينهم أو بينهم وبين غيرهم بعثوه سفيرًا، أي: رسولًا، وإذا نافرهم منافر أو فاخرهم مفاخر، بعثوه منافرًا أو مفاخرًا.
وأسلم قديمًا بعد أربعين رجلًا وإحدى عشرة امرأة، وقيل: بعد تسعة وثلاثين رجلًا وثلاث وعشرين امرأة وقيل: بعد خمسة وأربعين رجلًا وإحدى عشرة امرأة فما هو إلا أن أسلم فظهر الإسلام بمكة وفرح به المسلمون.
قال: وهو أحد السابقين الأولين، وأحد العشرة المشهود لهم بالجنة، وأحد الخلفاء الراشدين، وأحد أصهار النبي -صلى الله عليه وسلم- وأحد كبار علماء الصحابة وزهادهم.
روي له عن النبي خمسمائة حديث وتسعة وثلاثون حديثًا.

فصل: في الأخبار الواردة في إسلامه

أخرج الترمذي عن ابن عمر: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "اللهم أعز الإسلام بأحب هذين الرجلين إليك: بعمر بن الخطاب، أو بأبي جهل ابن هشام" 1. أخرجه الطبراني من حديث ابن مسعود وأنس رضي الله عنهما.
وأخرج الحاكم عن ابن عباس: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "اللهم أعز الإسلام بعمر بن الخطاب خاصة" 2. وأخرجه الطبراني في الأوسط من حديث أبي بكر الصديق وفي الكبير من حديث ثوبان.
وأخرج أحمد عن عمر قال: خرجت أتعرض رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فوجدته قد سبقني إلى المسجد، فقمت خلفه، فاستفتح سورة الحاقة، فجعلت أتعجب من تأليف القرآن، فقلت: والله هذا شاعر كما قالت قريش، فقرأ: {إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ، وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلاً مَا تُؤْمِنُونَ} [الحاقة: 40، 41] الآيات، فوقع في قلبي الإسلام كل موقع3.
وأخرج ابن أبي شيبة عن جابر قال: كان أول إسلام عمر أن عمر قال: ضرب أختي المخاض ليلاً، فخرجت من البيت، فدخلت في أستار الكعبة، فجاء النبي -صلى الله عليه وسلم- فدخل الحجر وعليه بتان، وصلى لله ما شاء الله، ثم انصرف، فسمعت شيئًا لم أسمع مثله، فخرج، فاتبعته، فقال: "من هذا؟ " فقلت: عمر، فقال: "يا عمر! ما تدعني لا ليلاً ولا نهارًا؟ " فخشيت أن يدعو علي، فقلت: أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله، فقال: "يا عمر! أسره"، قلت: لا والذي بعثك بالحق لأعلننه كما أعلنت الشرك.

أخرج البزار والطبراني وأبو نعيم في الحلية والبيهقي في الدلائل عن أسلم قال: قال لنا عمر: كنت أشد الناس على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فبينا أنا في يوم حار بالهاجرة3 في بعض طريق مكة إذ لقيني رجل فقال: عجبًا لك يابن الخطاب! إنك تزعم إنك وإنك، وقد دخل عليك الأمر في بيتك، قلت: وما ذاك؟ قال: أختك قد أسلمت، فرجعت مغضبًا حتى قرعت الباب، قيل: من هذا؟ قلت: عمر، فتبادروا فاختفوا مني، وقد كانوا يقرءون صحيفة بين أيديهم، تركوها ونسوها، فقامت أختي تفتح الباب، فقلت: يا عدوة نفسها أصبأت؟ وضربتها بشيء كان في يدي على رأسها، فسال الدم وبكت، فقالت: يابن الخطاب! ما كنت فاعلًا فافعل، فقد صبأت، قال: ودخلت حتى جلست على السرير، فنظرت إلى الصحيفة، فقلت: ما هذا؟ ناولينيها، قالت: لست من أهلها إنك لا تطهر من الجنابة، وهذا كتاب لا يمسه إلا المطهرون، فما زلت بها حتى ناولتنيها، ففتحتها فإذا فيها: بسم الله الرحمن الرحيم، فلما مررت باسم من أسماء الله تعالى ذعرت منه، فألقيت الصحيفة، ثم رجعت إلى نفسي فتناولتها فإذا فيها: {سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ} [الصف: 1] فذعرت، فقرأت إلى: {بِاللَّهِ وَرَسُولِه} [الصف: 11] فقلت: أشهد أن لا إله إلا الله، فخرجوا إلي مبادرين وكبروا وقالوا: أبشر فقد دعا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يوم الاثنين فقال: "اللهم أعز دينك بأحب الرجلين إليك: إما أبو جهل ابن هشام وإما عمر". ودلوني على النبي -صلى الله عليه وسلم- في بيت في أسفل الصفا فخرجت حتى قرعت الباب فقالوا: من؟ قلت: ابن الخطاب، وقد علموا شدتي على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فما اجترأ أحد على فتح الباب حتى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "افتحوا له". ففتحوا لي فأخذ رجلان بعضدي حتى أتيا النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: "خلوا عنه"، ثم أخذ بمجامع قميصي وجذبني إليه ثم قال: "أسلم يابن الخطاب، اللهم اهده". فشهدت، فكبر المسلمون تكبيرة سمعت بفجاج مكة، وكانوا مستخفين فلم أشأ أن أرى رجلاً يَضرب ويُضرب إلا رأيته ولا يصيبني من ذلك شيء. فجئت إلى خالي أبي جهل وكان شريفًا فقرعت عليه الباب فقال: من هذا؟ فقلت: ابن الخطاب وقد صبأت، فقال: لا تفعل، ثم دخل وأجاف الباب دوني؛ فقلت: ما هذا بشيء.
فذهبت إلى رجل من عظماء قريش فناديته، فخرج إلي، فقلت له مثل مقالتي لخالي، فقال لي مثل ما قال لي خالي فدخل وأجاف الباب دوني، فقلت: ما هذا بشيء إن المسلمون يضربون ولا أضرب، فقال لي رجل:
أتحب أن يعلم بإسلامك؟ قلت: نعم، قال: فإذا جلس الناس في الحجر فأت فلانًا -لرجل لم يكن يكتم السر- فقل بينك وبينه إني قد صبأت فإنه قل ما يكتم السر فجئت وقد اجتمع الناس في الحجر فقلت فيما بيني وبينه قال: أو قد فعلت،
فقال: بأعلى صوته إن ابن لخطاب قد صبأ فبادروا إليّ فمازلت أضربهم ويضربونني واجتمع علي الناس فقال خالي: ما هذه الجماعة؟ قيل: عمر قد صبأ، فقام على الحجر فأشار بكمه ألا إني قد أجرت ابن أختي فتكشفوا عني، فكنت لا أشاء أن أرى أحدًا من المسلمين يضرب ويضرب إلا رأيته، فقلت ما هذا بشيء قد يصيبني فقلت: جوارك رد عليك، فمازلت أضرب وأضرب حتى أعز الله الإسلام1.
(المصدر تاريخ الخلفاء للسيوطي)

نبيل العوضي - قصة عمر بن الخطاب رضي الله عنه



فصل: في هجرته رضي الله عنه

أخرج ابن عساكر عن علي قال: ما علمت أحدًا هاجرمختفيًا إلا عمر بن الخطاب، فإنه لما هم بالهجرة تقلد سيفه وتنكب قوسه وانتضى في يده أسهمًا، وأتى الكعبة وأشراف قريش بفنائها، فطاف سبعًا، ثم صلى ركعتين عند المقام، ثم أتى حلقهم واحدة واحدة، فقال: شاهت الوجوه، من أراد أن تثكله أمه وييتم ولده، وترمل زوجته فليلقني وراء هذا الوادي، فما تبعه منهم أحد.
وأخرج عن البراء -رضي الله عنه- قال: أول من قدم علينا من المهاجرين مصعب بن عمير، ثم ابن أم مكتوم، ثم عمر بن الخطاب في عشرين راكبًا، فقلنا: ما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: هو على أثري، ثم قدم النبي -صلى الله عليه وسلم- وأبو بكر -رضي الله عنه- معه.
قال النووي: شهد عمر مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- المشاهد كلها، وكان ممن ثبت معه يوم أحد.
فصل: في الأحاديث الواردة في فضله :
1 - أخرج الشيخان عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "بينا أنا نائم رأيتني في الجنة، فإذا امرأة تتوضأ إلى جانب قصر، قلت: لمن هذا القصر؟ قالوا: لعمر، فذكرت غيرتك، فوليت مدبرًا". فبكى عمر وقال: أعليك أغار يا رسول الله؟
أخرجه البخاري "3680/7"، ومسلم "2395/4
2 - وأخرج الشيخان عن ابن عمر أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "بينا أنا نائم شربت -يعني اللبن- حتى أنظر الري يجري في أظافري ثم ناولته عمر" قالوا: فما أولته يا رسول الله؟ قال: "العلم"
أخرجه البخاري "3681/7"، ومسلم "2391/4
3 - وأخرج الشيخان عن سعد بن أبي وقاص قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "يابن الخطاب، والذي نفسي بيده ما لقيك الشيطان سالكًا فجًّا قط إلا سلك فجًّا غير فجك"
أخرجه البخاري "3683/7"، ومسلم "2390/4
4 - وأخرج البخاري عن أبي هريرة قال: قال النبي صلى الله عليه سلم: "لقد كان فيما قبلكم من الأمم ناس محدثون، فإن يكن في أمتي أحد فإنه عمر"    أخرجه البخاري "3689/7
5 - وأخرج الترمذي عن ابن عمر أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "إن الله جعل الحق على لسان عمر وقلبه". قال ابن عمر: وما نزل بالناس أمر قط فقالوا وقال إلا نزل القرآن على نحو ما قال عمر.
أخرجه الترمذي "3682/5". وقال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب، من هذا الوجه.
6 - وأخرج ابن منيع في مسنده عن علي -رضي الله عنه- قال: كنا أصحاب محمد لا نشك أن السكينة تنطق على لسان عمر.
فصل: في أقوال الصحابة والسلف فيه
•    قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه: ما على ظهر الأرض رجل أحب إلي من عمر، أخرجه ابن عساكر.
•    وقيل لأبي بكر في مرضه: ماذا تقول لربك وقد وليت عمر؟ أقول له وليت عليهم خيرهم، أخرجه ابن سعد.
•    وقال علي رضي الله عنه: إذا ذكر الصالحون فحيهلا بعمر، ما كنا نبعد أن السكينة تنطق على لسان عمر. أخرجه الطبراني في الأوسط.
•    وقال ابن عمر رضي الله عنه: ما رأيت أحدًا قط بعد النبي -صلى الله عليه وسلم- من حين قبض أحد ولا أجود من عمر، أخرجه ابن سعد.

•    وقال ابن مسعود رضي الله عنه: لو أن علم عمر وضع في كفة ميزان ووضع علم أحياء الأرض في كفة ميزان لرجح علم عمر بعلمهم، ولقد كانوا يرون أنه ذهب بتسعة أعشار العلم. أخرجه الطبراني في الكبير والحاكم.
•    وقال حذيفة رضي الله عنه: كأن علم الناس كان مدسوسًا في حجر عمر.
•    وقال حذيفة: والله ما أعرف رجلًا لا تأخذه في الله لومة لائم إلا عمر.
•    وقالت عائشة رضي الله عنها -وذكرت عمر-: كان والله أحوذيًّا نسيجًا وحده.
•    وقال معاوية رضي الله عنه: أما أبو بكر فلم يرد الدنيا ولم ترده، وأما عمر فأرادته الدنيا ولم يردها، وأما نحن فتمرغنا فيها ظهرًا لبطن، أخرجه الزبير بن بكار في الموفقيات.
•    وقال جابر رضي الله عنه: دخل علي على عمر -وهو مسجى- قال: رحمة الله عليك ما من أحد أحب إلي أن ألقى الله بما في صحيفته بعد صحبة النبي -صلى الله عليه وسلم- من هذا المسجى. أخرجه الحاكم.
•    وقال ابن مسعود رضي الله عنه: إذا ذكر الصالحون فحيهلا بعمر، إن عمر كان أعلمنا بكتاب الله، وأفقهنا في دين الله تعالى. أخرجه الطبراني والحاكم.
•    وسئل ابن عباس عن أبي بكر، فقال: كان كالخير كله، وسئل عن عمر، فقال: كان كالطير الحذر الذي يرى أن له بكل طريق شوكًا يأخذه، وسئل عن علي فقال: مليء عزمًا وحزمًا وعلمًا ونجدة. أخرجه في الطيوريات.
فصل: في كراماته رضي الله عنه
•    أخرج البيهقي وأبو نعيم، كلاهما في دلائل النبوة، واللالكائي في شرح السنة، والديرعاقولي في فوائده، وابن الأعرابي في كرامات الأولياء، والخطيب في رواة مالك عن نافع عن ابن عمر، قال: وجه عمر جيشًا، ورأس عليهم رجلاً يدعى سارية، فبينما عمر يخطب جعل ينادي: يا سارية الجبل، ثلاثًا، ثم قدم رسول الجيش، فسأله عمر، فقال: يا أمير المؤمنين هزمنا، فبينا نحن كذلك إذ سمعنا صوتًا ينادي: يا سارية الجبل، ثلاثًا، فأسندنا ظهورنا إلى الجبل، فهزمهم الله، قال: قيل لعمر: إنك كنت تصيح بذلك، وذلك الجبل الذي كان سارية عنده بنهاوند من أرض العجم ، قال ابن حجر في الإصابة2: إسناده حسن
•    وقال خزيمة بن ثابت: كان عمر إذا استعمل عاملاً كتب له، واشترط عليه ألا يركب برذونًا5، ولا يأكل نقيًا، ولا يلبس رقيقًا، ولا يغلق بابه دون ذوي الحاجات، فإن فعل فقد حلت عليه العقوبة.
فصل في زهده رضي الله عنه
•    وقال ابن مليكة: كلم عتبة بن فرقد عمر في طعامه، فقال: ويحك آكل طيباتي في حياتي الدنيا وأستمتع بها؟.
•    وقال الحسن: دخل عمر على ابنه عاصم وهو يأكل لحمًا، فقال: ما هذا؟ قال: قرمنا1 إليه، قال: أو كلما قرمت إلى شيء أكلته؟ كفى بالمرء سرفًا أن يأكل كل ما اشتهى.
•    وقال أسلم: قال عمر: لقد خطر على قلبي شهوة السمك الطري، قال: فرحل يرفأ1 راحلته، وسار أربعًا مقبلاً، وأربعًا مدبرًا، واشترى مكتلاً، فجاء به، وعمد إلى الراحلة، فغسلها، فأتى عمر، فقال: انطلق حتى أنظر إلى الراحلة، فنظر وقال: أنسيت أن تغسل هذا العرق الذي تحت أذنيها، عذبت بهيمة في شهوة عمر؟! لا والله لا يذوق عمر مكتلك .
•    وقال أنس: دخلت حائطًا فسمعت عمر يقول، وبيني وبينه جدار، عمر بن الخطاب أمير المؤمنين، بخ بخ والله لتتقين الله يابن الخطاب أو ليعذبنك الله .
•    وقال عبد الله بن عامر بن ربيعة: رأيت عمر أخذ نبتة من الأرض فقال: ليتني كنت هذه النبتة، يا ليتني لم أكن شيئًا، ليت أمي لم تلدني .
•     وقال عبد الله بن عمر بن حفص: حمل عمر بن الخطاب قربة على عنقه، فقيل له في ذلك، فقال: إن نفسي أعجبتني فأردت أن أذلها .

فصل: في صفته رضي الله عنه

أخرج ابن سعد والحاكم عن ذر قال: خرجت مع أهل المدينة في يوم عيد، فرأيت عمر يمشي حافيًا شيخًا أصلع آدم أعسر طوالًا مشرفًا على الناس كأنه على دابة، قال الواقدي لا يعرف عندنا أن عمر كان آدم، إلا أن يكون رآه عام الرمادة فإنه كان تغير لونه حين أكل الزيت.
وأخرج ابن سعد عن ابن عمر أنه وصف عمر فقال: رجل أبيض تعلوه حمرة طوال أصلع أشيب.
فصل: في خلافته رضي الله عنه
ولي الخلافة بعهد أبي بكر في جمادى الآخرة سنة ثلاث عشرة.
قال الزهري: استخلف عمر يوم توفي أبو بكر، وهو يوم الثلاثاء لثمانٍ بقين من جمادى الآخرة، أخرجه الحاكم، فقام بالأمر أتم قيام.

الفتوحات الاسلامية في عهده

كثرت الفتوح في أيامه ففي سنة أربع عشرة فتحت دمشق ما بين صلح وعنوة، وحمص، وبعلبك صلحًا، والبصرة والأبلة، كلاهما عنوة.
وفيها جمع عمر الناس على صلاة التراويح، قاله العسكري في الأوائل.
وفي سنة خمس عشرة فتحت الأردن كلها عنوة إلا طبرية فإنها فتحت صلحًا، وفيها كانت وقعت اليرموك والقادسية.
قال ابن جرير، وفيها مصر سعد الكوفة، وفيها فرض عمر الفروض، ودون الدواوين، وأعطى العطاء على السابقة.
وفي سنة ست عشرة فتحت الأهواز والمدائن، وأقام بها سعد الجمعة في إيوان كسرى، وهي أول جمعة جمعت بالعراق، وذلك في صفر، وفيها كانت وقعة جلولاء، وهزم يزدجرد بن كسرى وتقهقر إلى الري، وفيها فتحت تكريت، وفيها سار عمر ففتح بيت المقدس، وخطب بالجابية خطبته المشهورة، وفيها فتحت قنسرين عنوة، وحلب، وأنطاكية، ومنبج صلحًا، وسروج عنوة، وفيها فتحت قرقيسياء صلحًا، وفي ربيع الأول كتب التاريخ من الهجرة بمشورة علي.
وفي سنة سبع عشرة زاد عمر في المسجد النبوي، وفيها كان القحط بالحجاز، وسمي عام الرمادة واستقى عمر للناس بالعباس.
أخرج ابن سعد، عن نيار الأسلمي: أن عمر لما خرج يستسقي خرج وعليه برد الرسول صلى الله عليه وسلم1.
وأخرج عن ابن عون قال: أخذ عمر بيد العباس ثم رفعها، وقال: اللهم إنا نتوسل إليك بعم نبيك أن تذهب عنا المحل2، وأن تسقينا الغيث، فلم يبرحوا حتى سقوا، فأطبقت السماء عليهم أيامًا3.
وفيها فتحت الأهواز صلحًا.
وفي سنة ثمان عشرة فتحت جنديسابور صلحًا، وحلوان عنوة، وفيها كان طاعون عمواس، وفيها فتحت الرها، وسيميساط عنوة، وحران ونصيبين وطائفة من الجزيرة عنوة وقيل: صلحًا والموصل ونواحيها عنوة.
وفي سنة تسع عشرة فتحت قيسارية عنوة.
وفي سنة عشرين فتحت مصر عنوة، وقيل: مصر صلحًا إلا الإسكندرية فعنوة، وقال علي بن رباح: المغرب كله عنوة، وفيها فتحت تستر، وفيها هلك قيصر عظيم الروم، وفيها أجلى عمر اليهود عن خيبر وعن نجران، وقسم خيبر ووادي القرى.
وفي سنة إحدى وعشرين فتحت الإسكندرية عنوة، ونهاوند، ولم يكن للأعاجم بعدها جماعة، وبرقة وغيرها.
وفي سنة اثنتين وعشرين فتحت أذربيجان عنوة، وقيل: صلحًا والدينور عنوة، وماسبذان عنوة، وهمذان عنوة، وطرابلس المغرب، والري، وعسكر، وقومس.
وفي سنة ثلاث وعشرين كان فتح كرمان، وسجستان، ومكران من بلاد الجبل وأصبهان ونواحيها.

وصيته واستشهاده رضي الله عنه وارضاه 

قال سعيد بن المسيب: لما نفر عمر من منى أناخ بالأبطح، ثم استلقى ورفع يديه إلى السماء، وقال: اللهم كبرت سني، وضعفت قوتي، وانتشرت رعيتي، فاقبضني إليك غير مضيع ولا مفرط، فما انسلخ ذو الحجة حتى قتل .
وقال معدان بن أبي طلحة: خطب عمر فقال: رأيت كأن ديكًا نقرني نقرة أو نقرتين، وإني لا أراه إلا حضور أجلي، وإن قومًا يأمرونني أن أستخلف وإن الله لم يكن ليضيع دينه ولا خلافته، فإن عجل بي أمر فالخلافة شورى بين هؤلاء الستة الذين توفي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهو راضٍ عنهم . أخرجه الحاكم.
وقال الزهري: كان عمر -رضي الله عنه- لا يأذن لصبي قد احتلم في دخول المدينة حتى كتب إليه المغيرة بن شعبة وهو على الكوفة يذكر له غلامًا عنده جملة صنائع، ويستأذنه أن يدخل المدنية، ويقول: إن عنده أعمالًا كثيرة فيها منافع للناس، إنه حداد، نقاش، نجار، فأذن له عمر أن يرسله إلى المدينة، وضرب عليه المغيرة مائة درهم في الشهر، فجاء إلى عمر يشتكي شدة الخراج، فقال: ما خراجك بكثير، فانصرف ساخطًا يتذمر، فلبث عمر ليالي ثم دعاه فقال: ألم أخبر أنك تقول: أو أشاء لصنعت رحى تطحن بالريح؟ فالتفت إلى عمر عابسًا وقال: لأصنعن لك رحى يتحدث الناس بها، فلما ولى قال عمر لأصحابه: أوعدني العبد آنفًا، ثم اشتمل أبو لؤلؤة على خنجر ذي رأسين، نصابه في وسطه، فكمن بزاوية من زوايا المسجد في الغلس ، فلم يزل هناك حتى خرج عمر يوقظ الناس للصلاة، فلما دنى منه طعنه ثلاث طعنات. أخرجه ابن سعد.
وقال عمرو بن ميمون الأنصاري: إن أبا لؤلؤة عبد المغيرة طعن عمر بخنجر له رأسان، وطعن معه اثني عشر رجلًا مات منهم ستة، فألقى عليه رجل من أهل العراق ثوبًا، فلما اغتم فيه قتل نفسه.
وقال عمرو بن ميمون: قال عمر: الحمد لله الذي لم يجعل منيتي بيد رجل يدعي الإسلام، ثم قال لابنه: يا عبد الله انظر ما علي من الدين، فحسبوه فوجدوه ستة وثمانين ألفًا أو نحوها، فقال: إن وفى مال آل عمر فأده من أموالهم، وإلا فاسأل في بني عدي، فإن لم تفِ أموالهم فاسأل في قريش، اذهب إلى أم المؤمنين عائشة فقل: يستأذن عمر أن يدفن مع صاحبيه، فذهب إليها فقالت: كنت أريده -تعني المكان- لنفسي، ولأوثرنه اليوم على نفسي، فأتى عبد الله فقال: قد أذنت، فحمد الله تعالى وقيل له: أوصِ يا أمير المؤمنين واستخلف، قال: ما أرى أحدًا أحق بهذا الأمر من هؤلاء النفر الذين توفي النبي -صلى الله عليه وسلم- وهو راضٍ عنهم، فسمى الستة، وقال: يشهد عبد الله بن عمر معهم وليس له من الأمر شيء، فإن أصابت الإمرة سعدًا فهو ذاك، وإلا فليستعن به أيكم ما أمر، فإني لم أعزله من عجز ولا خيانة، ثم قال: أوصي الخليفة من بعدي بتقوى الله، وأوصيه بالمهاجرين والأنصار، وأوصيه بأهل الأمصار خيرًا في مثل ذلك من الوصية، فلما توفي خرجنا به نمشي، فسلم عبد الله بن عمر وقال: عمر يستأذن، فقالت عائشة: أدخلوه، فأدخل في موضع هناك مع صاحبيه، فلما فرغوا من دفنه ورجعوا اجتمع هؤلاء الرهط فقال عبد الرحمن بن عوف: اجعلوا أمركم إلى ثلاثة منكم، فقال الزبير: قد جعلت أمري إلى علي، وقال سعد: قد جعلت أمري إلى عبد الرحمن، وقال طلحة: قد جعلت أمري إلى عثمان، قال: فخلا هؤلاء الثلاثة، فقال عبد الرحمن: أنا لا أريدها، فأيكما يبرأ من هذا الأمر ونجعله إليه؟ والله عليه والإسلام لينظر أفضلهم في نفسه وليحرص على صلاح الأمة، فسكت الشيخان علي وعثمان، فقال عبد الرحمن: اجعلوه إلي، والله علي لا آلوكم عن أفضلكم، قالا: نعم، فخلا بعلي وقال: لك من القدم في الإسلام والقرابة من النبي -صلى الله عليه وسلم- ما قد علمت، والله عليك لئن أمرتك لتعدلن، ولئت أمرت عليك لتسمعن ولتطيعن؟ قال: نعم، ثم خلا بالآخر فقال له كذلك، فلما أخذ ميثاقهما بايعه عثمان وبايعه علي.

ولقد أصيب عمر يوم الأربعاء لأربع بقين من ذي الحجة، ودفن يوم الأحد مستهل المحرم الحرام، وله ثلاث وستون سنة، وقيل: ست وستون سنة، وقيل: إحدى وستون، وقيل: ستون، ورجحه الواقدي وقيل: تسع وخمسون، وقيل: خمس أو أربع وخمسون، وصلى عليه صهيب في المسجد.

وهكذا كانت خاتمة امير المؤمنين عمر بن الخطاب الذي اعيا من خلفه ان يكون مثله في زهده وورعه وتقواه
رحمك الله ياعمر رحمك الله يا امير المؤمنين .

ذو النورين عثمان بن عفان رضي الله عنه

ذو النورين عثمان بن عفان رضي الله عنه

نبذة عنه 

هو عثمان بن عفان بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب، القرشي، الأموي المكي، ثم المدني أبو عمرو، ويقال: أبو عبد الله، أبو ليلى.
ولد في السنة السادسة من الفيل، وأسلم قديمًا، وهو ممن دعاه الصديق إلى الإسلام، وهاجر الهجرتين: الأولى إلى الحبشة، والثانية إلى المدينة.
وتزوج رقية بنت الرسول -صلى الله عليه وسلم- قبل النبوة، وماتت عنده في ليالي غزوة بدر، فتأخر عن بدر لتمريضها، بإذن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وضرب له بسهمه وأجره، فهو معدود في البدريين بذلك.
وجاء البشير بنصر المسلمين ببدر يوم دفنوها بالمدينة، فزوجه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بعدها أختها أم كلثوم، وتوفيت عنده سنة تسع من الهجرة.
قال العلماء: ولا يعرف أحد تزوج بنتي نبي غيره، ولذلك سمي ذو النورين: فهو من السابقين الأولين، وأول المهاجرين، وأحد العشرة المشهود لهم بالجنة، وأحد الستة الذين توفي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهو عنهم راضٍ، وأحد الصحابة الذين جمعوا القرآن، بل قال ابن عباد: لم يجمع القرآن من الخلفاء إلا هو والمأمون.

نبيل العوضي - قصة عثمان بن عفان رضي الله عنه


فصل: في الأحاديث الواردة في فضله 

•    أخرج الشيخان عن عائشة رضي الله عنها: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- جمع ثيابه حين دخل عثمان، وقال: "ألا أستحي من رجل تستحي منه الملائكة"
•    وأخرج البخاري عن أبي عبد الرحمن السلمي: أن عثمان حين حوصر أشرف عليهم، فقال: أنشدكم بالله، ولا أنشد إلا أصحاب النبي، ألستم تعلمون أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "من جهز جيش العسرة فله الجنة؟ " فجهزتهم، ألستم تعلمون أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "من حفر بئر رومة فله الجنة؟ " فحفرتها، فصدقوه بما قال .
•    وأخرج الترمذي عن عبد الرحمن بن خباب قال: شهدت النبي -صلى الله عليه وسلم- وهو يحث على جيش العسرة، فقال عثمان بن عفان: يا رسول الله! عليّ مائة بعير بأحلاسها وأقتابها في سبيل الله، ثم حض على الجيش، فقال عثمان: يا رسول الله! علي مائتا بعيرٍ بأحلاساها وأقتابها في سبيل الله، ثم حض على الجيش، فقال عثمان: يا رسول الله عليّ ثلاثمائة بعير بأحلاسها وأقتابها في سبيل الله، فنزل رسول الله يقول: "ما على عثمان ما عمل بعد هذه شيء"
•    وأخرج الترمذي عن أنس قال: لما أمرنا الرسول -صلى الله عليه وسلم- ببيعة الرضوان كان عثمان بن عفان رسول رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلى أهل مكة، فبايع الناس، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "إن عثمان بن عفان في حاجة الله وحاجة رسوله"، فضرب بإحدى يديه على الأخرى، فكانت يد الرسول -صلى الله عليه وسلم- لعثمان خيرًا من أيديهم لأنفسهم.
فصل: في خلافته رضي الله عنه
بويع بالخلافة بعد دفن عمر بثلاث ليالٍ، فروي: أن الناس كانوا يجتمعون في تلك الأيام إلى عبد الرحمن بن عوف يشاورونه ويناجونه فلا يخلو به رجل ذو راي فيعدل بعثمان أحدًا ، ولما جلس عبد الرحمن للمبايعة حمد الله وأثنى عليه وقال في كلامه: إني رأيت الناس يأبون إلا عثمان، أخرجه ابن عساكر عن المسور بن مخرمة، وفي رواية: أما بعد يا علي، فإني قد نظرت في الناس فلم أرهم يعدلون بعثمان، فلا تجعلن على نفسك سبيلًا، ثم أخذ بيد عثمان فقال: نبايعك على سنة الله وسنة رسوله وسنة الخليفتين بعده، فبايعه عبد الرحمن، وبايعه المهاجرون والأنصار.
وأخرج ابن سعد عن أنس قال: أرسل عمر إلى أبي طلحة الأنصاري قبل أن يموت بساعة فقال: كن في خمسين من الأنصار مع هؤلاء النفر أصحاب الشورى، فإنهم فيما أحسب سيجتمعون في بيت، فقم على ذلك الباب بأصحابك فلا تترك أحدًا يدخل عليهم ولا تتركهم يمضي اليوم الثالث حتى يؤمِّروا أحدهم .
وفي مسند أحمد عن أبي وائل قال: قلت لعبد الرحمن بن عوف: كيف بايعتم عثمان وتركتم عليًّا؟ قال: ما ذنبي؟ قد بدأت بعلي فقلت: أبايعك على كتاب الله وسنة رسوله وسيرة أبي بكر وعمر؟ فقال: فيما استطعت، ثم عرضت ذلك على عثمان فقال: نعم.
ويروى: أن عبد الرحمن قال لعثمان في خلوة: إن لم أبايعكم فمن تشير علي؟ قال: علي، وقال لعلي: إن لم أبايعك فمن تشير علي؟ قال: عثمان، ثم دعا الزبير فقال: إن لم أبايعك فمن تشير عليّ؟ قال: علي أو عثمان، فم دعا سعدًا، فقال: من تشير علي؟ فأما أنا وأنت فلا نريدها، فقال عثمان، ثم استشار عبد الرحمن والأعيان فرأى هوى أكثرهم في عثمان.
بعضا من الاحداث التي وقعت في عهده رضي الله عنه
كان معاوية يلح على عمر بن الخطاب في غزو قبرص، وركوب البحر لها، فكتب عمر إلى عمرو بن العاص: أن صف لي البحر وراكبه، فكتب إليه: إني رأيت خلقًا كبيرًا يركبه خلق صغير، إن ركد خرق القلوب، وإن تحرك أراع العقول، تزداد فيه العقول قلة والسيئات كثرة، وهم فيه كدود على عود، إن مال غرق، وإن نجا فرق، فلما قرأ عمر الكتاب كتب إلى معاوية: والله لا أحمل فيه مسلمًا أبدًا، قال ابن جرير: فغزا معاوية قبرص في أيام عثمان فصالحه أهلها على الجزية.
وفي سنة تسع وعشرين فتحت إصطخر عنوة، وفسا، وغير ذلك، وفيها زاد عثمان في مسجد المدينة ووسعه، وبناه بالحجارة المنقوشة، وجعل عمده من الحجارة، وسقفه بالساج، وجعل طوله ستين ومائة ذراع، وعرضه خمسين ومائة ذراع.
وفي سنة ثلاثين فتحت جور وبلاد كثيرة من أرض خراسان، وفتحت نيسابور صلحًا، وقيل: عنوة، وطوس وسرخس كلاهما صلحًا، وكذا مرو، وبيهق، ولما فتحت هذه البلاد الواسعة كثر الخراج على عثمان، وأتاه المال من كل وجه، حتى اتخذ له الخزائن وأدر الأرزاق وكان يأمر للرجل بمائة ألف بدرة في كل بدرة أربعة آلاف أوقية.

القصة الكاملة لمقتله رضي الله عنه

اراد الله سبحانه وتعالى ان يختم لذي النورين تاريخه الحافل بالعطاء والسخاء والكرم بأحسن الخاتمه فكانت نهايته شهيدا في سبيل الله والثبات على الحق وان من اكثر النهايات التي ابكت القلوب قبل العيون هي قصة مقتل عثمان بن عفان رضي الله عنه تلك النهايه الغير متوقعه والمؤلمه والحزينه .
فقد أخرج ابن عساكر من وجه آخر عن الزهري قال: قلت لسعيد بن المسيب: هل أنت مخبري كيف كان مقتل عثمان؟ وما كان شأن الناس وشأنه؟ ولم خذله أصحاب محمد -صلى الله عليه وسلم- فقال ابن المسيب: قتل عثمان مظلومًا، ومن قتله كان ظالِمًا، ومن خذله كان معذورًا، فقلت: كيف كان ذلك؟ قال: إن عثمان لما ولي كره ولايته نفر من الصحابة؛ لأن عثمان كان يحب قومه، فولي الناس اثنتي عشرة سنة، وكان كثيرًا ما يولي بني أمية ممن لم يكن له مع رسول الله صحبة، فكان يجيء من أمرائه ما ينكره أصحاب محمد، وكان عثمان يستعتب فيهم فلا يعزلهم، وذلك في سنة خمس وثلاثين، فلما كان في الست الأواخر استأثر بني عمه فولاهم وما أشرك معهم، وأمرهم بتقوى الله، فولى عبد الله بن أبي سرح مصر فمكث عليها سنين، فجاء أهل مصر يشكونه ويتظلمون منه، وقد كان قبل ذلك من عثمان هنات إلى عبد الله بن مسعود، وأبي ذر، وعمار بن ياسر، فكانت بنو هذيل وبنو زهرة في قلوبهم ما فيها لحال ابن مسعود، وكانت بنو غفار وأحلافها ومن غضب لأبي ذر في قلوبهم ما فيها، وكانت بنو مخزوم قد حنقت على عثمان لحال عمار بن ياسر، وجاء أهل مصر يشكون من ابن أبي سرح، فكتب إليه كتابًا يتهدد فيه، فأبى ابن أبي سرح أن يقبل ما نهاه عنه عثمان، وضرب بعض من أتاه من قبل عثمان من أهل مصر ممن كان أتى عثمان فقتله، فخرج من أهل مصر سبعمائة رجل، فنزلوا المسجد وشكوا إلى الصحابة في مواقيت الصلاة ما صنع ابن أبي سرح بهم، فقام طلحة بن عبيد الله فكلم عثمان بكلام شديد، وأرسلت عائشة -رضي الله عنها- إليه فقالت: تقدم إليك أصحاب محمد -صلى الله عليه وسلم- وسألوك عزل هذا الرجل فأبيت؟! فهذا قد قتل منهم رجلًا فأنصفهم من عاملك، ودخل عليه علي بن أبي طالب فقال: إنما يسألونك رجلًا مكان رجل، وقد ادعوا قبله دمًا، فاعزله عنهم واقض بينهم فإن وجب عليه حق فأنصفهم منه، فقال لهم: اختاروا رجلًا أوليه عليكم مكانه، فأشار الناس عليه بمحمد بن أبي بكر، فقالوا: استعمل علينا محمد بن أبي بكر، فكتب عهده وولاه وخرج معهم عدد من المهاجرين والأنصار ينظرون فيما بين أهل مصر وابن أبي سرح، فخرج محمد ومن معه، فلما كان على مسيرة ثلاثة أيام من المدينة إذا هم بغلام أسود على بعير يخبط خبطًا كأنه رجل يطلب أو يطلب، فقال له أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم: ما قصتك وما شأنك كأنك هارب أو طالب فقال لهم: أنا غلام أمير المؤمنين، وجهني إلى عام مصر، فقال له رجل: هذا عامل مصر، قال: ليس هذا ما أريد، وأخبر بأمره محمد بن أبي بكر، فبعث في طلبه رجلًا، فأخذه فجاء به إليه، فقال: غلام من أنت؟ فأقبل مرة يقول:
أنا غلام أمير المؤمنين، ومرة يقول: أنا غلام مروان، حتى عرفه رجل أنه لعثمان، فقال له محمد: إلى من أرسلت؟ قال: إلى عامل مصر، قال: بماذا؟ قال: برسالة، قال: معك كتاب؟ قال: لا، ففتشوه فلم يجدوا معه كتابًا، وكانت معه إداوة قد يبست فيها شيء يتقلقل، فحركوه ليخرج فلم يخرج فشقوا الإداوة فإذا بها كتاب من عثمان إلى ابن أبي سرح، فجمع محمد من كان عنده من المهاجرين والأنصار وغيرهم، ثم فك الكتاب بمحضر منهم فإذا فيه: إذا أتاك محمد وفلان وفلان فاحتل في قتلهم، وأبطل كتابه، وقر على عملك حتى يأتيك رأيي، واحبس من يجيء إليّ يتظلم منك ليأتيك رأيي في ذلك إن شاء الله تعالى، فلما قرءوا الكتاب فزعوا وأزمعوا، فرجعوا إلى المدينة، فجمعوا طلحة، والزبير، وعليًّا، وسعدًا، ومن كان من أصحاب محمد -صلى الله عليه وسلم- ثم فضوا الكتاب بمحضر منهم وأخبروهم بقصة الغلام وأقرءوهم الكتاب، فلم يبقَ أحد من أهل المدينة إلا حنق على عثمان، وزاد ذلك من كان غضب لابن مسعود وأبي ذر وعمار بن ياسر حنقًا وغيظًا وقام أصحاب محمد -صلى الله عليه وسلم- فلحقوا بمنازلهم ما منهم أحد إلا وهو مغتم لما قرءوا الكتاب وحاصر الناس عثمان سنة خمس وثلاثين وأجلب عليه محمد بن أبي بكر ببني تيم وغيرهم، فلما رأى ذلك علي بعث إلى طلحة والزبير وسعد وعمار ونفر من الصحابة كلهم بدري، ثم دخل على عثمان ومعه الكتاب، والغلام، والبعير، فقال له علي: هذا الغلام غلامك؟ قال: نعم، قال: والبعير بعيرك؟ قال: نعم، قال: فأنت كتبت هذا الكتاب؟ قال: لا، وحلف بالله ما كتبت هذا الكتاب ولا أمرت به ولا علم لي به. قال له علي: فالخاتم خاتمك؟ قال: نعم، قال: فكيف يخرج غلامك ببعيرك وبكتاب عليه خاتمك لا تعلم به؟ فحلف بالله ما كتبت هذا الكتاب، ولا أمرت به، ولا وجهت هذا الغلام إلى مصر قط، وأما الخط فعرفوا أنه خط مروان، وشكوا في أمر عثمان وسألوه أن يدفع إليهم مروان، فأبى وكان مروان عنده في الدار فخرج أصحاب محمد -صلى الله عليه وسلم- من عنده غضابًا، وشكوا في أمره، وعلموا أن عثمان لا يحلف بباطل، إلا أن قومًا قالوا: لن يبرأ عثمان من قلوبنا إلا أن يدفع إلينا مروان حتى نبحثه، ونعرف حال الكتاب، وكيف يأمر بقتل رجل من أصحاب محمد -صلى الله عليه وسلم- بغير حق؟ فإن يكن عثمان كتبه عزلناه، وإن يكن مروان كتبه على لسان عثمان نظرنا ما يكون منا في أمر مروان، ولزموا بيوتهم، وأبى عثمان أن يخرج إليهم مروان، وخشى عليه القتل، وحاصر الناس عثمان، ومنعوه الماء، فأشرف على الناس فقال: أفيكم علي؟ فقالوا: لا، قال: أفيكم سعد؟ قالوا: لا، فسكت ثم قال: ألا أحد يبلغ عليًّا فيسقينا ماء؟ فبلغ ذلك عليًّا، فبعث إليه بثلاث قرب مملوءة ماء، فما كادت تصل إليه، وجرح بسببها عدة من موالي بني هاشم وبني أمية حتى وصل الماء إليه فبلغ عليًّا أن عثمان يراد قتله، فقال: إنما أردنا منه مروان، فأما قتل عثمان فلا، وقال للحسن والحسين: إذهبا بسيفيكما حتى تقوما على باب عثمان فلا تدعا أحدًا يصل إليه وبعث الزبير ابنه، وبعث طلحة ابنه، وبعث عدة من أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- أبناءهم يمنعون الناس أن يدخلوا على عثمان، ويسألونه إخراج مروان، فلما رأى الناس ذلك رموا باب عثمان بالسهام حتى خضب الحسن بن علي بالدماء على بابه، وأصاب مروانَ سهمٌ وهو في الدار، وخضب محمد بن طلحة، وشج قنبر مولى علي، فخشى محمد بن أبي بكر أن يغضب بنو هاشم لحال الحسن والحسين فيثيروها فتنة، فأخذ بيد الرجلين فقال لهما: إن جاءت بنو هاشم فرأوا الدماء على وجه الحسن كشف الناس عن عثمان وبطل ما نريد، ولكن اذهبوا بنا حتى نتسور عليه الدار فنقتله من غير أن يعلم به أحد، فتسور محمد وصاحباه من دار رجل من الأنصار حتى دخلوا على عثمان، ولا يعلم أحد ممن كان معه؛ لأن كل من كان معه كانوا فوق البيوت، ولم يكن معه إلا امرأته، فقال لهما محمد: مكانكما، فإن معه امرأته حتى أبدأكما بالدخول، فإذا أن ضبطته فادخلا فتوجآه حتى تقتلاه، فدخل محمد فأخذ1بلحيته، فقال له عثمان: والله لو رآك أبوك لساءه مكانك مني، فتراخت يده، ودخل الرجلان عليه فتوجآه حتى قتلاه، وخرجوا هاربين من حيث دخلوا، وصرخت امرأته فلم يسمع صراخها لما كان في الدار من الجلبة، وصعدت امرأته إلى الناس فقالت: إن أمير المؤمنين قد قتل، فدخل الناس فوجدوه مذبوحا، وبلغ الخبر عليًّا، وطلحة، والزبير، وسعد، ومن كان بالمدينة فخرجوا وقد ذهبت عقولهم للخبر الذي أتاهم حتى دخلوا على عثمان، فوجدوه مقتولًا، فاسترجعوا، وقال علي لابنيه: كيف قتل أمير المؤمنين وأنتما على الباب؟ ورفع يده فلطم الحسن وضرب صدر الحسين وشتم محمد بن طلحة، وعبد الله بن الزبير، وخرج وهو غضبان حتى أتى منزله وجاء الناس يهرعون إليه فقالوا له: نبايعك فمد يدك فلابد من أمير، فقال علي: ليس ذلك إليكم، إنما ذلك إلى أهل بدر فمن رضي به من أهل بدر فهو خليفة، فلم يبق أحد من أهل بدر إلا أتى عليًّا، فقالوا له: ما نرى أحدًا أحق بها منك؟ مد يدك نبايعك، فبايعوه، وهرب مروان وولده وجاء علي إلى امرأة عثمان فقا لها: من قتل عثمان؟ قالت: لا أدري، دخل عليه رجلان لا أعرفهما ومعهما محمد بن أبي بكر، وأخبرت عليًّا والناس بما صنع محمد فدعا علي محمدًا فسأله عما ذكرت امرأة عثمان؟ فقال محمد: لم تكذب، قد والله دخلت عليه وأنا أريد قتله فذكرني أبي فقمت عنه وأنا تائب إلى الله تعالى، والله ما قتلته ولا أمسكته، فقالت امرأته: صدق ولكنه أدخلهما.

رحمك الله يا حيي يامن استحيت منك الملائكة ولم ستح منك من قتلوك ، رضي الله عنك وارضاك يابن عفان ياثالث الخلفاء الراشدين .

علي بن ابي طالب رضي الله عنه

علي بن ابي طالب  رضي الله عنه  


نبذة عنه

 أسمة علي أبي طالب عبد مناف بن عبد المطلب، واسمه شيبة بن هاشم، واسمه عمرو بن عبد مناف، واسمه المغيرة بن قصي، واسم زيد بن كلاب بن بمرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن نضر بن كنانة، أبو الحسن، وأبو تراب، كناه بها الرسول صلى الله عليه وسلم وأمه فاطمة بنت أسد بن هشام، وهي أول هاشمية ولدت هاشميًا، قد أسلمت وهاجرت.

وصفه رضي الله عنه 

كان علي شيخًا سمينًا، أصلع، كثير الشعر، ربعة إلى القصر عظيم البطن، عظيم اللحية جدًّا، قد ملأت ما بين منكبيه بيضاء كأنها قطن، آدم شديد الأدمة.

فضله ومناقبه 

وعلي رضي الله عنه أحد العشرة المشهود لهم بالجنة وأخو رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمؤاخاة، وصهره على فاطمة سيدة نساء العالمين -رضي الله عنها- وأحد السابقين إلى الإسلام، وأحد العلماء الربانيين، والشجعان المشهورين، والزهاد المذكورين، والخطباء المعروفين، وأحد من جمع القرآن وعرضه على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعرض عليه أبو الأسود الدؤلي وأبو عبد الرحمن السلمي، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وهو أول خليفة من بني هاشم، وأبو السبطين، أسلم قديما، بل قال ابن عباس وأنس وزيد بن الأرقم وسليمان الفارسي وجماعة: إنه أول من أسلم، ونقل بعضهم الإجماع عليه.
وأخرج أبو يعلى عن علي -رضي الله عنه- قال: بعث الرسول صلى الله عليه وسلم يوم الاثنين وأسلمت يوم الثلاثاء وكان عمره حين أسلم عشر سنين، وقيل: تسع، وقيل: ثمان، وقيل: دون ذلك، قال الحسن بن زيد بن الحسن: ولم يعبد الأوثان قط لصغره، أخرجه ابن سعد .
ولما هاجر صلى الله عليه وسلم إلى المدينة أمره أن يقيم بعده بمكة أياما حتى يؤدي عنه أمانة الودائع والوصايا التي كانت عند النبي صلى الله عليه وسلم، ثم يلحقه بأهله، ففعل ذلك، وشهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بدرًا وأحدًا وسائر المشاهد إلا تبوك فإن النبي صلى الله عليه وسلم استخلفه على المدينة، وله في جميع المشاهد آثار مشهورة، وأعطاه النبي صلى الله عليه وسلم اللواء في مواطن كثيرة، وقال سعيد بن المسيب: أصابت عليًا يوم أحد ست عشرة ضربة، وثبت في الصحيحن: أنه صلى الله عليه وسلم أعطاه الراية في يوم خيبر، وأخبر أن الفتح يكون على يديه وأحواله في الشجاعة وآثاره في الحروب مشهورة.
قال جابر بن عبد الله: حمل علي الباب على ظهره يوم خيبر حتى صعد المسلمون عليه ففتحوها، وإنهم جروه بعد ذلك، فلم يحمله إلا أربعون رجلًا، أخرجه ابن عساكر.

نبيل العوضي - قصة علي بن ابي طالب رضي الله عنه


قال الإمام أحمد بن حنبل: ما ورد لأحد من أصحاب الرسول -صلى الله عليه وسلم- من الفضائل ما ورد لعلي -رضي الله عنه- أخرجه الحاكم.
وأخرج الشيخان عن سعد بن أبي وقاص: أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- خلف علي بن أبي طالب في غزوة تبوك، فقال: يا رسول الله تخلفني في النساء والصبيان؟ فقال: "أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى؟ غير أنه لا نبي بعدي"

ماقيل في علمه وفقهه

أخرج الحاكم وصححه عن علي قال: بعثني رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلى اليمن، فقلت: يا رسول الله، بعثتني وأنا شاب أقضي بينهم، ولا أدري ما القضاء، فضرب صدري بيده ثم قال: "اللهم اهد قلبه، وثبت لسانه، فوالذي فلق الحبة ما شككت في القضاء بين اثنين"
وأخرج ابن سعد عن علي أنه قيل له: مالك أكثر أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حديثًا؟ قال: إني كنت إذا سألته أنبأني، وإذا سكت ابتدأني.
وأخرج عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال عمر بن الخطاب: علي أقضانا.
وأخرج الحاكم عن ابن مسعود -رضي الله عنهما قال: كنا نتحدث أن أقضى أهل المدينة علي.
وأخرج ابن سعد عن ابن عباس قال: إذا حدثنا ثقة عن علي فتيا لا نعدوها.
وأخرج عن سعيد ابن المسيب قال: كان عمر بن الخطاب يتعوذ بالله من معضلة ليس فيها أبو الحسن.
وأخرج عنه قال: لم يكن أحد من الصحابة يقول: سلوني إلا علي.
وأخرج ابن عساكر عن ابن مسعود قال: أفرض أهل المدينة وأقضاها علي بن أبي طالب.
وأخرج عن عائشة رضي الله عنها: أن عليًّا ذكر عندها، فقالت: أما إنه أعلم من بقي بالسنة.

نبذة من أخبار علي وقضاياه وكلماته رضي الله عنه

قال سعيد بن منصور في سننه: حدثنا هشيم، حدثنا حجاج، حدثني شيخ من فزارة: سمعت عليًّا يقول: الحمد لله الذي جعل عدونا يسألنا عما نزل به من أمر دينه إن معاوية كتب إلي يسألني عن الخنثى المشكل، فكتبت إليه أن يورثه من قبل مباله، وقال هشيم، عن مغيرة، عن الشعبي، عن علي مثله.
وأخرج ابن عساكر عن الحسن قال: لما قدم علي البصرة قام إليه ابن الكواء، وقيس بن عباد، فقالا له: ألا تخبرنا عن مسيرك هذا الذي سرت فيه، تتولى على الأمة تضرب بعضهم ببعض؟ أعهد من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إليك؟ فحدثنا فأنت الموثوق المأمون على ما سمعت، فقال: أما أن يكون عندي عهد من النبي -صلى الله عليه وسلم- في ذلك فلا، والله لئن كنت أول من صدق به فلا أكون أول من كذب عليه، ولو كان عندي من النبي -صلى الله عليه وسلم- عهد في ذلك ما تركت أخا بني تيم بن مرة وعمر بن الخطاب يقومان على منبره، ولقاتلتهما بيدي، ولو لم أجد إلا بردي هذا، ولكن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لم يقتل قتلًا، ولم يمت فجأة، مكث في مرضه أيامًا وليالي، يأتيه المؤذن فيؤذنه بالصلاة، فيأمر أبا بكر فيصلي بالناس وهو يرى مكاني، ولقد أرادت امرأة من نسائه أن تصرفه عن أبي بكر، فأبى وغضب، وقال: "أنتن صواحب يوسف، مروا أبا بكر يصلي بالناس"، فلما قبض الله نبيه -صلى الله عليه وسلم- نظرنا في أمورنا، فاخترنا لدنيانا من رضيه نبي الله -صلى الله عليه وسلم- لديننا، وكانت الصلاة أصل الإسلام، وهي أمير الدين، وقوام الدين، فبايعنا أبا بكر، وكان لذلك أهلًا، ولم يختلف عليه منا اثنان، ولم يشهد بعضنا على بعض، ولم تقطع منه البراءة، فأديت إلى أبي بكر حقه، وعرفت له طاعته، وغزوت معه في جنوده، وكنت آخذ إذا أعطاني، وأغزوا إذا أغزاني، وأضرب بين يديه الحدود بسوطي، فلما قبض تولاها عمر، فأخذها بسنة صاحبه، وما يعرف من أمره، فبايعنا عمر ، ولم يختلف عليه منا اثنان، ولم يشهد بعضنا على بعض، ولم تقطع منه البراءة، فأديت إلى عمر حقه، وعرفت له طاعته، وغزوت معه في جيوشه، وكنت آخذ إذا أعطاني وأغزو إذا أغزاني، وأضرب بيدي الحدود بسوطي، فلما قبض تذكرت في نفسي قرابتي وسابقتي وسالفتي وفضلي، وأنا أظن ألا يعدل بي، ولكن خشى ألا يعمل الخليفة بعده ذنبًا إلا لحقه في قبره، فأخرج منها نفسه وولده، ولو كانت محاباة منه لآثر بها ولده، فبرئ منها إلى رهط من قريش ستة أنا أحدهم، فلما اجتمع الرهط ظننت ألا يعدلوا بي، فأخذ عبد الرحمن بن عوف مواثيقنا على أن نسمع ونطيع لمن ولاه الله أمرنا، ثم أخذ بيد عثمان بن عفان وضرب بيده على يده، فنظرت في أمري، فإذا طاعتي قد سبقت بيعتي، وإذا ميثاقي أخذ لغيري، فبايعنا عثمان، فأديت له حقه، وعرفت له طاعته، وغزوت معه في جيوشه، وكنت آخذ إذا أعطاني وأغزوا إذا أغزاني، وأضرب بين يديه الحدود بسوطي، فلما أصيب نظرت في أمري، فإذا الخليفتان اللذان أخذاها بعهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إليهما بالصلاة قد مضيا، وهذا الذي قد أخذ له الميثاق قد أصيب، فبايعني أهل الحرمين، وأهل هذين المصرين، فوثب فيها من ليس مثلي، ولا قرابته كقرابتي، ولا علمه كعلمي، ولا سابقته كسابقتي، وكنت أحق بها منه.

وأخرج عن نبيط الأشجعي قال: قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه:

إذا اشتملت على اليأس القلوب ... وضاق بهمها الصدر الرحيب
وأوطنت المكاره واطمأنت ... وأرست في أماكنها الخطوب
ولم يرلانكشاف الضروجه ... ولا أغنى بحيلته الأريب
أتاك على قنوط منك غوث ... يجيء به القريب المستجيب
وكل الحادثات إذا تناهت ... فموصول بها الفرج القريب

وأخرج عن الشعبي قال: قال علي بن أبي طالب لرجل كره له صحبة رجل:
فلا تصحب أخا الجهل ... وإيّاك وإياه
فكم من جاهل أردى ... حليمًا حين آخاه
يقاس المرء بالمرء ... إذ ما هو ما شاه
وللشيء من الشيء ... مقاييس وأشباه
قياس النعل بالنعل ... إذا ما هو حاذاه


فصل في خلافته وما تبعها من احداث 

أصبحت الحالة فى المدينة المنورة بعد مقتل عثمان تقتضى وجود خليفة قوى يعيد الأمور إلى وضعها الطبيعى داخل عاصمة الدولة الإسلامية، لذا أسرع أهل المدينة إلى مبايعة على بن أبى طالب سنة 35هـ وأيدهم الثوار بالمدينة، واضطر على بن أبى طالب إلى قبول الخلافة منعًا للشقاق وخشية حدوث الخلاف بين المسلمين.

الدولة والمجتمع:

بدأ على بن أبى طالب عمله بعزل ولاة عثمان الذين كانوا سببًا فى اعتراض الكثيرين على عثمان، وعين بدلا منهم ولاة آخرين، لكن الوالى الذى أرسله الخليفة إلى الشام لم يتمكن من استلام عمله؛ حيث تصدى له أنصار معاوية بن أبى سفيان -والى الشام من أيام عثمان رضى الله عنه- وأخرجوه من البلاد، ورفض معاوية مبايعة على للخلافة، واستمر على ذلك مدة ثلاثة أشهر، فأخذ على بن أبى طالب يعد جيشًا قويّا لغزو الشام، وعزل معاوية ابن أبى سفيان عنها؛ حيث رأى أن هيبة الدولة لا تكون إذا لم يستطع الخليفة أن يعزل واليًا وأن يعين غيره، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى، فإن هذا الوضع سوف يشجع العصاة والمنحرفين على العبث بمقدرات الدولة مما يؤثر على استقرار النظام، وبينما هو يعد العدة للسيطرة على الشام، إذ ظهر تمرد آخر نشأ عن طلحة ابن عبيد الله والزبير بن العوام وعائشة أم المؤمنين فى البصرة واستيلائهم عليها سنة 36هـ فعدل "على" عن غزو الشام وأعد العدة للذهاب إلى البصرة للقضاء على التمرد وذهب معه عدد غير قليل من أهل الكوفة حيث دارت موقعة الجمل فى جمادى الآخرة سنة 36هـ والتى انتهت بانتصار على بن أبى طالب. وقُتل طلحة بن عبيد الله، وقُتل الزبير بن العوام بعدما ترك المعركة، وقد نوى عدم الاشتراك فيها. وأعيدت السيدة عائشة -رضى الله عنها- مكرمة معززة، وسار معها على بن أبى طالب بنفسه يحميها ثم وكل بها بعض بنيه حتى وصلت إلى مكة، فأقامت حتى موسم الحج.

بوادر الفتنة:

واستقرت الأمور فى "البصرة" عقب ذلك، وأخذ على البيعة لنفسه من أهلها ثم وجه أنظاره ناحية الشام حيث معاوية بن أبى سفيان الذى رفض الطاعة وأبى البيعة له إلا بعد الأخذ بثأر عثمان، فبعث إليه يدعوه مرة أخرى فلم يجبه إلى ثلاثة أشهر من مقتل عثمان، ولما تحقق علىّ من عدم استجابته لدعوته وتأهبه للقتال، سار من الكوفة لردعه والتقى بجند الشام وعلى رأسهم معاوية بن أبى سفيان حيث دارت بين الطرفين مناوشات يسيرة فى سهل "صفين" فى ذى الحجة سنة 36هـ، ثم اتفقا على إيقاف الحرب إلى آخر المحرم طمعًا فى الصلح، وترددت الرسل بينهما لكن معاوية ابن أبى سفيان كان يعتبر نفسه ولى دم عثمان بن عفان وطالب بثأره فأصر على موقفه وهو مطالبة على بن أبى طالب بالتحقيق مع قتلة عثمان والاقتصاص منهم، بينما رأى على أنَّ هذا الأمر لن يتم إلا بعد أن تهدأ الفتنة وتستقر الأحوال فى الدولة، ولما لم يصل الطرفان إلى حل يرضى كلا منهما عادوا إلى القتال فى شهر صفر سنة 37هـ.

موقعة صفين:

واشتعلت نار الحرب بين الفريقين أيامًا متوالية وزحف علىّ ابن أبى طالب بجنده على جند معاوية بن أبى سفيان الذين رفعوا المصاحف على أسنة الرماح وقالوا: "هذا كتاب الله عز وجل بيننا وبينكم" فلما رأى أهل العراق المصاحف مرفوعة قالوا: "نجيب إلى كتاب الله" ولقيت هذه الدعوة قبولا لدى عدد كبير من جند "على" الذين يُعرفون بالقراء؛ لأنهم يجيدون حفظ القرآن الكريم، فرفضوا المضى فى القتال ووافقوا على التحكيم، وبذلك انتهت موقعة "صفين"، وحل محلها التحكيم، واتفق الفريقان على أن يختار كل منهما رجلا من قِبَله، فاختار معاوية "عمرو بن العاص"، واختار أتباع على "أبا موسى الأشعرى"، لكن فئة من أنصاره عادوا ورفضوا التحكيم فى قضية تبين فيها الحق من الباطل، وخرجت هذه الفئة على أمير المؤمنين على بن أبى طالب ورفضوا السير معه إلى الكوفة وعرفت هذه الفئة "بالخوراج".
استمر على بن أبى طالب فى قبول مبدأ التحكيم وأرسل أبا موسى الأشعرى، فاجتمع بعمرو بن العاص، واتفق الحكمان على خلع على ومعاوية، وترك الأمر شورى للمسلمين يختارون فيه من يريدون، فلما بلغ عليّا خبر الحكمين أنكر عليهما ما اتفقا عليه، وقال: إن هذين الحكمين نبذا حكم القرآن واتبع كل واحد هواه، واختلفا فى الحكم فاستعدوا للسير إلى الشام، وأخذ يحرض الناس على حرب معاوية، لكن الخوارج اشتدوا على أصحاب "على" وقتلوا بعضًا منهم، فجهَّز "على" جيشًا لمحاربة الخوارج والتقى بهم عند النهروان على بعد ميلين من "الكوفة" وهزمهم شر هزيمة ثم أخذ يعد العدة لمحاربة معاوية بن أبى سفيان بالشام سنة 38هـ، لكن أحد الخوارج ويُدعى عبدالرحمن بن مُلْجَم استطاع قتل على فى المسجد بالكوفة كما سياتي بيانه .

مقتل الامام علي ونهاية الخلفاء الراشدين

ذكر الإمام ابن الجوزي في: صفة الصفوة مقتله فقال: عن زيد بن وهب قال: قدم عليّ على قوم من أهل البصرة، من الخوارج، فيهم رجل يقال له: الجعد بن بعجة، فقال له: اتق الله يا عليّ، فإنك ميت. فقال له عليّ عليه السلام: بل مقتول ضربةً على هذا تخضب هذه يعني لحيته من رأسه، عهد معهود، وقضاء مقضي، وقد خاب من افترى. وعاتبه في لباسه فقال: ما لكم وللباس؟ هو أبعد من الكبر وأجدر أن يقتدي بي المسلم. وعن أبي الطفيل قال: دعا عليّ الناس إلى البيعة، فجاء عبد الرحمن بن ملجم المرادي فرده مرتين، ثم أتاه فقال: ما يحبس أشقاها؟ اشدد حيازيمك للموت فإن الموت آتيك، ولا تجزع من القتل إذا حل بواديك. وعن أبي مجلز قال: جاء رجل من مراد إلى علي وهو يصلي في المسجد، فقال: احترس فإن ناساً من مراد يريدون قتلك، فقال: إن مع كل رجل ملكين يحفظانه مما لم يقدر عليه، فإذا جاء القدر خليّا بينه وبينه، وإن الأجل جُنَّة حصينة. قال العلماء بالسير: ضربه عبد الرحمن بن ملجم بالكوفة يوم الجمعة لثلاث عشرة بقيت من رمضان، وقيل ليلة إحدى وعشرين منه سنة أربعين، فبقي الجمعة والسبت، ومات ليلة الأحد، وغسله ابناه، وعبد الله بن جعفر، وصلى عليه الحسن، ودفن في السحر.
وختم بعلي رضي الله عنه حياة اعظم خلفاء خلفوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فرحمك الله يا ياصهر رسول الله صلى الله عليه وسلم وحبه ورحم الله خلفاء رسول الله صلى الله عليه وسلم .

طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه


طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه


نبذة عنه :
إنه فارس الإسلام، طلحة بن عبيدالله بن عثمان القرشي التيمي، ويُكنى أبا محمد، ويعرف بطلحة الخير، وطلحة الفياض؛ لكَرَمِه وجُوده.
وصفه رضي الله عنه :
وصفه ابنه موسى فقال: كان أبي أبيضَ يضرب إلى الحمرة، مربوعًا إلى القصر هو أقرب، رحب الصدر، بعيد ما بين المنكبين، ضخم القدمَيْن .
حسن اسلامه ومواقفه وشجاعته :
فلقد لقي في بداية إسلامه أذًى شديدًا، فقد أخذه نوفل بن خويلد هو وأبا بكر الصديق فشدَّهما في حبل واحد، ولم يمنعهما بنو تيم، وكان يعذبهما تعذيبًا شديدًا، فلم يجيباه إلى ما أراد من الرجوع عن الإسلام إلى الكفر.

إنه عَلَمٍ من أعلام هذه الأمة، وبطلٍ مِن أبطالها، صحابي من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - نقتبس مِنْ سيرته العطرة الدروسَ والعِبر، هذا الصحابي شهد المشاهد كلَّها مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عدا غزوة بدر، فقد غاب عنها لعارضٍ ما، فضرب له النبي - صلى الله عليه وسلم - أجر رجل ممن شهد بدرًا وسهمه، وكان من السابقين إلى الإسلام، فهو أحد الثمانية الذين سبقوا إلى الإسلام، وقد اشتهر بالفروسية والشجاعة، وأبلى في معركة أُحُد بلاءً عظيمًا، حتى إن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((أَوْجَبَ))؛ يعني: وجبت له الجنة، وكان أبو بكر - رضي الله عنه - إذا ذَكر يوم أُحُد يقول: هذا اليوم كله لفلان؛ يعني: طلحة، ولما قدم النبي - صلى الله عليه وسلم - المدينة، آخى بينه وبين أبي أيوب الأنصاري، وهو أحد العشرة المبشَّرين بالجنة، وأحد السِّتَّة الذين توفِّي النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو عنهم راضٍ.
كانتْ لهذا الصحابي مواقفُ بطوليةٌ رائعة، تدلُّ على شجاعته ونصرته لهذا الدين، فمن أعظم تلك المواقف ما بذَلَه يوم أُحد من دفاعٍ عن النبي - صلى الله عليه وسلم - فقد تكاثر المشركون على النبي - صلى الله عليه وسلم - فكان يحميه بجسده عن النبال والسيوف أن تصيبه، حتى إنه جرح يوم أُحُد أربعةً وعشرين جرحًا، ما بين ضربة بسيف وطعنة برمح، وشلَّت أصابعه.
ومن بطولاته ما رواه الترمذي في سننه من حديث الزبير - رضي الله عنه - قال: "كان على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم أُحُد درعان، فنهض إلى صخرة فلم يستطع (من الثقل والإعياء)، فأقعد تحته طلحة، فصعد النبي - صلى الله عليه وسلم - حتى استوى على الصخرة، فقال: سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: ((أوجب طلحة))؛ أي: وجبتْ له الجنة ، وروى البخاري ومسلم من حديث أبي عثمان قال: لَم يبقَ مع النبي - صلى الله عليه وسلم - في بعض تلك الأيام التي قاتل فيهن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - غيرُ طلحة وسعد، عن حديثهما .

طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه


ومِنْ فضائله العظيمة: ما رواه الترمذي في سننه من حديث جابر - رضي الله عنه - أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (مَن سرَّه أن ينظر إلى شهيدٍ يمشي على وجه الأرض، فلينظر إلى طلحة بن عبيدالله)
وروى الترمذي في سننه من حديث موسى بن طلحة، قال: دخلت على معاوية فقال: ألا أبشِّرك؟ سمعتُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول:(طلحة ممن قضى نحبه(
وقد اشتهر - رضي الله عنه - بالكرم والإنفاق والبذل ، لذلك سُمِّي طلحة الخير، وطلحة الفياض.
ويقول قبيصة بن جابر - رضي الله عنه -: صحبت طلحة، فما رأيتُ أعطى لجزيل مالٍ منه من غير مسألة  .

استشهاده رضي الله عنه :
ذكر الحافظ في الإصابة: "أن قتْله كان على يد مروان بن الحكم في معركة الجمل"، روى يعقوب بن سفيان في كتابه "المعرفة والتاريخ" عن قيس بن أبي حازم، أن مروان بن الحكم رأى طلحة، وقال: هذا ممن أعان على قتْل عثمان، فرماه بسهم فأثبته في ركبته، فجعل الدم ينزف منه حتى مات 

وهكذا تنال يد الحقد والكره من طلحة الخير ليلحق بمن سبقه من الصحب الكرام الذين نالتهم ايدي الغشم والحقد الاسود
رحمك الله ياطلحة الخير واوكلنا امر قاتلك الى الله ليفعل الله به مايريد ما هو اهله

الزبير بن العوام رضي الله عنه

الزبير بن العوام رضي الله عنه

حواري رسول الله صلى الله عليه وسلم

نبذة عنه
اسمه ونسبه : الزبير بن العوام بن خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي بن كلاب رضي الله عنه .
وبالتالي يلتقي نسبه مع النبي صلى الله عليه وسلم في قصي بن كلاب .
أمه : صفية بنت عبد المطلب عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أسلمت وحسن إسلامها .
زوجاته واولاده وبناته منهن :
زوجته : أسماء بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنها ، وله زوجات غيرها .
أولاده : كان له من الولد : عبد الله وبه يُكنى ، وعروة ، والمنذر ، وعاصم ، والمهاجر ، وخديجة الكبرى ، وأم الحسن ، وعائشة ، وأمهم أسماء بنت أبي بكر .
وخالد ، وعمرو ، وحبيبة ، وسودة ، وهند ، وأمهم أم خالد : وهي أمة بنت خالد بن سعيد بن العاص .
ومصعب ، وحمزة ، ورملة ، وأمهم الرَّباب بنت أُنيف بن عبيد.
 وعبيدة ، وجعفر ، وأمهما زينب .
وزينت ، وأمها أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط .
وخديجة الصغرى ، وأمها الحلال بنت قيس .
وصفه رضي الله عنه
كان أبيض ، طويلاً ، وقيل : لم يكن بالطويل ولا بالقصير ، خفيف اللحم ، أشعر ، خفيف العارضين .
وكان يلقب الزبير بن العوام بالثابت القوام ، صاحب السيف الصارم ، والرأي الحازم ، كان لمولاه مستكيناً ، وبه مستعيناً ، قاتل الأبطال ، وباذل الأموال ، صاحب الوفاء والثبات ، والتسامح بالمال والجدات .

اسلامه رضي الله عنه وهجرته

أسلم الزبير بن العوام وهو بن ثماني سنين ، وهاجر وهو بن ثمان عشرة سنة .
وأسلم رضي الله عنه مع أوائل من أسلم من الصحابة ، فكان رابعاً أو خامساً بعد أبي بكر الصديق رضي الله عن الصحابة أجمعين .
محنته في اول اسلامه ومواقفه وبطولاته
كان عم الزبير يلف الزبير في حصير ، ويدخن عليه بالنار حتى تزهق أنفاسه ، وهو يقول له : اكفر برب محمد ، أدرأ عنك العذاب ، فيقول الزبير: " لا أعود للكفر أبداً "  ويهاجر الزبير للحبشة الهجرتين ، ثم يعود ليشهد جميع المشاهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم  .
لم يتخلف عن غزوة غزاها رسول الله صلى الله عليه وسلم

الشيخ محمد حسان يتحدث عن الزبير بن العوام


الزبير مجاهدا :
لم يتخلف عن غزوة غزاها رسول الله صلى الله عليه وسلم
الزبير بن العوام رضي الله عنه ، أول رجل سل سيفه في الإسلام ، فبينما هو بمكة ، إذ سمع صوتاً : أن النبي صلى الله عليه وسلم قد قتل ، فما كان من الزبير إلا أن استل سيفه ، وسار في شوارع مكة كالإعصار ، فتلقاه النبي صلى الله عليه وسلم في أعلى مكة ، فقال له ما لك يا زبير ؟ قال : سمعت أنك قد قتلت ، قال : فما كنت صانعاً ؟ قال : أردت والله أن أستعرض أهل مكة ، قال : فدعا له النبي صلى الله عليه وسلم بالخير ، ولسيفه بالغلب
 وعن عمرو بن مصعب بن الزبير رضي الله عنهم قال : قاتل الزبير مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ابن اثنتي عشرة سنة ، فكان يحمل على القوم : أي يتقدم ويكون في مقدمة من يقاتلون ، وذلك لشجاعته وقوته وإقدامه وبسالته .
وقد شهد موقعة اليرموك ، وكان أفضل من شهدها، واخترق يومئذ صفوف الروم من أولهم إلى آخرهم مرتين ، ويخرج من الجانب الآخر سالماً ، لكن جرح في قفاه بضربتين رضي الله عنه . وقد كان جسده معلماً من آثار السيوف في المعارك ، فلما سئل عن هذه الآثار قال : أما والله ما منها جراحة ، إلا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وفي سبيل الله .
وقال من رأي الزبير : وإن في صدره لأمثال العيون ، من الطعن والرمي .
كانت على الزبير بن العوام يوم بدر عمامة صفراء ، يقال : فنزلت الملائكة وعليهم يوم بدر على سيماء الزبير ، عليهم عمائم صفر .
الزبير حواري رسول الله صلى الله عليه وسلم
الزبير بن العوام هو حواري رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والحواري هو خاصة الإنسان وناصره ، قَالَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم : " إِنَّ لِكُلِّ نَبِيٍّ حَوَارِيًّا ، وَحَوَارِيِّي الزُّبَيْرُ " [ رواه أحمد ] .
واسمع إلى قول الله تعالى في سورة آل عمران ، إذ قال سبحانه : { فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ اللّهِ آمَنَّا بِاللّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ } [ آل عمران52 ] .
فلما علم عيسى منهم الكفر وأرادوا قتله قال : من أنصاري ؟ أي : من أعواني ؟ قال الحواريون : أعوان دينه وهم أصفياء عيسى أول من آمن به وكانوا اثني عشر رجلا من الحور وهو البياض الخالص وقيل كانوا قصّارين يحورون الثياب : أي يبيّضونها ، قالوا : نحن أنصار الله ، آمنا به وصدقنا ، واشهد يا عيسى بأنا مسلمون .

تجارته رضي الله عنه 

كان الزبير بن العوام رضي الله عنه ، من التجار الأغنياء المنفقين في سبيل الله عز وجل ، وكان يقول : من استطاع منكم أن يكون لهو جَنى (ثمر) وشيء يجده عند الله تعالى  من عمل صالح فليفعل .
باع الزبير داراً له بستمائة ألف ، فقيل له : يا أبا عبد الله غبنت ؟ قال : كلا والله ، لتعلمن أني لم أُغبن ، هي في سبيل الله .
وكان للزبير ألف مملوك يؤدون الضريبة ، لا يدخل بيت ماله منها درهم ، كان يتصدق بها ، وقيل : كان يقسمه كل ليلة ، ثم يقوم إلى منزله ، ليس معه منه شيء .

استشهاده رضي الله عنه 

كان الزبير بن العوام شديد الولع بالشهادة ، فهاهو يقول : " إن طلحة بن عبيد الله يسمي بنيه بأسماء الأنبياء ، وقد علم أن لا نبي بعد محمد ، وإني أسمي بني بأسماء الشهداء ، لعلمهم أن يستشهدوا ، فسمى عبد الله بعبد الله بن جحش ، والمنذر بالمنذر بن عمرو ، وعروة بعروة بن مسعود ، وحمزة بحمزة بن عبد المطلب ، وجعفر بجعفر بن أبي طالب ، ومصعب بمصعب بن عمير ، وعبيدة بعبيدة بن الحارث ، وخالد بخالد بن سعيد ، وعمر بعمرو بن سعيد بن العاص ، قتل يوم اليرموك .
وذا بالحلم والامنيه تتحقق ليلقى الله تعالى شهيدا  يوم الجمل ، وذلك أنه كر راجعاً عن القتال ، فلحقه عمرو بن جرموز ، وفضالة بن حابس ، ورجل ثالث يقال له : النعر التميميون ، بمكان يقال له وادي السباع قريب من البصرة ، بينه وبين البصرة خمسة أميال ، فبدر إليه عمرو بن جرموز وهو نائم فقتله ، وذلك في يوم الخميس لعشر خلون من جمادى الأولى ، سنة ست وثلاثين ، وله من العمر يومئذ سبع وستون سنة .
ويقال : بل قام من آثار النوم وهو دهش ، فركب وبارزه ابن جرموز ، فلما صمم عليه الزبير _ على قتله _ أنجده صاحباه فضالة والنعر فقتلوه ، وأخذ عمرو بن جرموز رأسه وسيفه .
رضي الله عنك ورحمك يا حواري رسول الله صلى الله عليه وسلم كما اطاحت الفتن برؤس الاوفياء النبلاء فهنيئا لهم بجنان الخلد هي خير مستقر للشهداء .

عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه


عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه

نبذة عنه
هو عبد الرحمن ابن عبد عوف بن عبد بن الحارث بن زهرة بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي وكنيته ابو محمد .
وكان اسمه في الجاهلية عبد عمرو وقيل عبد الكعبة فسماه النبي صلى الله عليه وسلم عبد الرحمن .
مولده رضي الله عنه : 
ولد بعد عام الفيل بعشر سنوات .
وصفه رضي الله عنه :
فعن ابن اسحاق قال : كان ساقط الثنتين ، اهتم ، أعسر ، أعرج ، كان أصيب يوم أحد فهُتِمَ ، وجُرح عشرين جراحة بعضها في رجله فعرج .
فضله رضي الله عنه
هو من الثمانية الذين سبقوا الى الاسلام .
من العشرة المبشرين بالجنه رضوان الله عليهم .
واحد السته اهل الشورى .
واحد السابقين البدريين .
وقدم الجابية مع عمر فكان على الميمنة ، وكان في نوبة سرغ على الميسرة .

وله عن رسول الله عدة احاديث .
روى عنه ابن عباس ، وابن عمر ، وأنس بن مالك ، وبنوه : إبراهيم ، وحميد ، وأبو سلمة ، وعمرو ، ومصعب بنو عبد الرحمن ، ومالك بن أوس ، وطائفة سواهم . له في " الصحيحين " حديثان . وانفرد له البخاري بخمسة ومجموع ما له في " مسند بقي " خمسة وستون حديثا
وحدث عنه أيضا من الصحابة : جبير بن مطعم ، وجابر بن عبد الله ، والمسور بن مخرمة ، وعبد الله بن عامر بن ربيعة .

قصص الصحابة ( 11 ) سيرة المبشر بالجنة عبدالرحمن بن عوف


هجرته رضي الله عنه
هاجر عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه ومن معه إلى الحبشة بإذنٍ من الرّسول صلّى الله عليه وسلّم، لمّا اشتدّ الأذى بالمسلمين في مكّة، وطُردوا من كلّ مكان، وفتنهم المشركون في دينهم.

قال عثمان: ما يستطيع أحدٌ أن يعتدَّ على هذا الشيخ فضلاً في الهجرتين جميعاً .


ومن مناقبه:
 أن النبي صلى الله عليه وسلم شهد له بالجنة ، و أنه من أهل بدر، ومن أهل هذه الآية:{ لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة } وقد صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وراءه .
عن عمرو بن وهب الثقفي قال : كنا مع المغيرة بن شعبة ، فسئل : هل أم النبي صلى الله عليه وسلم أحدٌ من هذه الأمة غيرُ أبي بكر ؟ فقال : نعم . فذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ ، ومسح على خُفيه و عمامته ، و أنه صلى خلفَ عبد الرحمن بن عوف ، وأنا معه، رَكعة من الصبح ، وقضينا الركعة التي سُبقنا .
وعن قتادة :{ الذين يلمزون المُطوعين من المؤمنين في الصدقات } التوبة 79 قال : تصدَق عبدُ الرحمن بن عوف بشطر ماله أربعة آلاف دينار . فقال أناسٌ من المنافقين : إن عبد الرحمن لعظيم الرياء .
وعن شقيق قال : دخل عبد الرحمن على أمِّ سلمة فقال : يا أمَّ المؤمنين ! إني أخشى أن أكون قد هلكت ، إني من أكثر قريش مالاً ، بعتُ أرضاً لي بأربعين ألف دينار . قالت : يابنيَّ ! أنفق، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إن من أصحابي من لن يراني بعد أن أفارقه(  فأتيتُ عمر فأخبرته ،فأتاها، فقال : بالله أنا منهم ؟ قالت : اللهم لا  ولن أبرئ أحداً بعدك .
ومن أفضل أعمال عبد الرحمن عزلُه نفسه من الأمر وقت الشورى ، و اختياره للأمة من أشار به أهلُ الحلِّ و العقد ، فنهض في ذلك أتمَ نهوض على جمع الأمة على عثمان ، ولو كان محابياً فيها لأخذها لنفسه، أو لولاها ابن عمه وأقرب الجماعة إليه سعد بن أبي وقاص .


وفاته رضي الله عنه

عن إبراهيم بن عبد الرحمن ، قال : غُشي على عبد الرحمن بن عوف في وجعه حتى ظنُّوا أنه قد فاضت نفسه ، حتى قاموا من عنده ، وجلَّلوه ، فأفاق يكبر ، فكبَّر أهلُ البيت ، ثم قال لهم : غُشِي علي آنفاً ؟ قالوا : نعم، قال : صدقتم ! انطلق بي في غَشيتي رجلان أجد فيهما شدة و فظاظة ، فقالا : انطلق نحاكمك إلى العزيز الأمين ، فانطلقا بي حتى لقيا رجلاً ، قال :أين تذهبان بهذا ؟ قالا : نحاكمه إلى العزيز الأمين ، فقال : ارجعا فإنه من الذين كتب لهم السعادة و المغفرة وهم في بطون أمهاتهم ، و إنه سَيُمتَّع به بنوه إلى ماشاء الله ، فعاش بعد ذلك شهراً .
وقال إبراهيم بن سعد عن أبيه ، عن جده ، سمع عليَّاً يقول يوم مات عبد الرحمن بن عوف : اذهب ياابن عوف ! فقد أدركت صفوها وسَبقتَ رنقها .الرنق : الكدر.
وعن أنس قال : رأيتُ عبد الرحمن بن عوف ، قُسم لكل امرأة من نسائه بعد موته مئة ألف .
ولقد لقي رضي الله عنه ربه في عام اثنتين وثلاثين من الهجرة ودفن بالبقيع .
رحمه الله ورضي عنه وارضاه كم كانت له من ايدي سباقة بالخير .

شارك

Twitter Delicious Facebook Digg Stumbleupon Favorites More